يعني يمين موثقة مؤكدة، ويمين غير موثقة غير مؤكدة، جاء قوله: ... ( {وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} ) . إذًا الأيمان غير المؤكدة لكم نقضها هل هذا مراد؟ الجواب: لا، وإنما المراد به النهي عن نقض اليمين، ومن بابٍ أولى وأحرى اليمين المؤكد، وإلا لو وقفنا مع ظاهر اللفظ ( {وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} ) إذًا الأيمان التي لا تكون مؤكدة لكم نقضها لكن هذا ليس مرادًا، ولذلك قال الشوكاني رحمه الله تعالى: وليس المراد اختصاص النهي عن النقض بالأيمان المؤكدة لا بغيرها مما لا تأكيد فيه، يعني التي لا تُؤكد لكم نقضها ليس هذا المراد، إنما لا تنقضوا الأيمان، ثم الأيمان إذا كانت موثقة فهي أشد في عدم النقض، فإن تحريم النقض يتناول الجميع، ( {وَلاَ تَنقُضُواْ} ) هذه لا ناهيةٌ، وتنقض هذا فعل مضارع مجزوم بلا، وجزمه حذف النون، إذًا النهي يقتضي التحريم، إذًا تحريم ماذا؟ تحريم نقض الأيمان مطلقًا دون تخصيص لها بماذا؟ بالمؤكدة دون غيرها، فإن تحريم النقض يتناول الجميع، ولكن في نقض اليمين المؤكدة من الإثم فوق الإثم الذي في نقض ما لم يؤكد منها، يقال: وَكَّدَ وَأَكَّدَ، وَكَّدَ بالواو، وَأَكَّدَ تَوْكِيدًا وَتَأْكِيدًا، تأكيد وتاكيد كذلك فيه وجهان كما يقال رأس وراس، فأس وفاس، يعني يجوز فيه الوجهان، يقال: وَكَّدَ وَأَكَّدَ تَوْكِيدًا وَتَأْكِيدًا وهما لغتان يعني ليست إحداهما فرعًا عن الأخرى كل لغةٍ مستقلة. وقال الزجاج: الأصل الواو والهمزة بدلٌ منها. إذا كانت كذلك فليست لغتين وإنما هي لغة واحدة، [الأصل الهمز] والأصل الواو، والهمز بدل عنها لكن مثل هذا لا ينبني عليه إلا ماذا؟ ما الذي ينبني عليه؟ ينبني عليه إذا قلنا: لغتان. حينئذٍ ما كان أصلًا ما كان واوًا فهو أصلٌ، وما كان همزة فهو أصل، حينئذٍ يُعبر عنه في الوزن بالأصل الفاء أو العين أو اللام، وإذا قلنا زائدة بدل حينئذٍ رجعنا إلى ماذا؟ إلى أن الذي يُكون زائدة في الأصل ينزل كما هو في الميزان، وهذا العموم بقوله: ( {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ} ) . هذا فيه عموم لأنه جمع الأيمان، والجمع من صيغ العموم، هذان التركيبان أمر ونهيّ، أوفوا هذا أمر، لا تنقضوا هذا نهيّ، الأمر عام والنهي عام، صحيح؟ الأمر عام ( {بِعَهْدِ اللهِ} ) بعهود الله مطلقًا فيها أيمان أو لا، عهد بيعة أو لا، بيعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن أسلم أو لا، فيكون عامًا فلا يخص بعهد دون عهد، ( {وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ} ) إذًا جمع، والجمع من صيغ العموم، حينئذٍ يعمّ، خُصّ هذا النص العام الذي هو النهي وهذا العموم مخصوصٌ بما ثبت في الأحاديث الصحيحة من قوله - صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأتِ الذي هو خير وليكفر عن يمينه» . إذًا ( {وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ} ) هنا جاء الأمر بماذا؟ بالنقض جاء الأمر بالنقض، ولذلك قال: «وليكفر عن يمينه» . فدل على أن هذه اليمين مستثناه، وهي إذا حلف على شيء وكان هذا الشيء المحلوف عليه خيرًا، حينئذٍ يأتيه ولا يقف مع اليمين فيكون هذا الحديث مُخَصِّصًا لهذا النص، لأن قوله: ( {وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ} ) . مطلقًا سواء كانت اليمين على شيء هو خير أو لا، فحلف كما قلنا بالأمس حلف أن لا يدخل بيت زيد وقد يكون زيد من المسلمين حينئذٍ نقول: هذا يحرم الوفاء بهذا اليمين، بل يجب عليه النقض، وكذلك لو قال: لا أكلم زيدًا. وكان زيد من المسلمين نقول: ليس ثَمَّ ما يُوجب أن يمتنع من كلامه حينئذٍ نقول: يجب أن يكلمه ولا يجوز له أن يقول: أنا حلفت ولا أنقض يميني. نقول: لا، النبي - صلى الله عليه وسلم - قال انقضها، حينئذٍ قوله: ( {وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ} ) . هذا مخصوص بهذا الحديث فهو لفظ عام أيمان فدخلت عليه (أل) فعَمّ، وجاء المخصص فيما هو معنا، «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأتِ الذي هو خير» ، «فليأتٍ» هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، إذًا يُعتبر مُخَصّصًا، «فليأتِ الذي هو خير وليكفر عن يمينه» الكفارة تكون واجبة حتى بالغ - صلى الله عليه وسلم - في ذلك فقال: «والله لأحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يمني» .