قال هنا: قوله تعالى ( {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ} ) العهد قلنا: أراد به الذمة أراد به المصنف الذمة هل هو حصرٌ؟ الجواب: لا، وإنما أراد به بعض أفراد اللفظ العام ( {أَوْفُواْ} ) هذا أمرٌ من الرباعيّ يقال: أَوْفَى، أليس كذلك؟ أَوْفَى يُوفِي أَوْفِي، أَوْفَى على وزن أَفْعَلَ، يُوفِي إذًا لأنه من الرباعي تُضم الياء أَوْفِ بحذف الياء، حينئذٍ أَوْفِ فعل أمر مبنيٌ على حذف الياء لأنه معتل الآخر، وليس من الثلاثي وَفَا يَفِي، وَفَا يَفِي ليس يُوفِي، إنما وَفَى يَفِي، وأَوْفَى يُوفِي أَوْفِ، والإيفاء هو إعطاء الشيء تامًا، وَفَى يَفِي إذا تم الشيء، وأَوْفَى بمعنى أعطاه إذًا أَوْفَى يكون متعدِّيًا مثل كَرُمَ وأكْرَمَ، أَكْرَمْتُ زيدًا بمعنى ماذا؟ أوصلت إليه شيئًا من العطاء هنا كذلك ( {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ} ) يعني تَمِّمُوا العهد، والعهد قد يكون ماذا؟ قد يكون تامًا وقد يكون ناقصًا، والنقص قد يكون بالنقض ونحو ذلك، فحينئذٍ نقول: ( {أَوْفُواْ} ) يعني تَمِّمُوا وكمِّلوا واجعلوا العهد تامًا ( {بِعَهْدِ اللهِ} ) مصدر مضاف إلى مفعوله أي بعهدكمِ اللهَ لقوله: ( {إِذَا عَاهَدتُّمْ} ) يدل على ماذا؟ على أن العهد صادرٌ من الناس، عاهدتم الله، فالأولى والأرجح أن يجعل المصدر هنا ماذا؟ مضافًا إلى مفعوله أي بعهدكم الله، لقوله: ( {إِذَا عَاهَدتُّمْ} ) - وهذا أحسن -. ويحتمل على ضعفٍ أن يكون مضافًا إلى فاعله أي بعهد الله إياكم وهو فيه شيءٌ من الضعف لكن يحتاج إلى تكلّفٌ في المعنى لكن ... ( {بِعَهْدِ اللهِ} ) بمعنى عهدكم الله ( {إِذَا عَاهَدتُّمْ} ) عاهدتم من؟ عاهدتم الله، إذًا جاء التصريح به ( {إِذَا عَاهَدتُّمْ} ) هذا توكيدٌ على وجوب الوفاء ( {وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ} ) أيمان البيعة أو مطلق ( {الأَيْمَانَ} ) وقلنا: الصواب بأنه مطلق ليس خاصًا بالبيعة ( {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} ) أي توثيقها بذكر الله تعالى ونحو ذلك.
مناسبة الآية للباب أنها تدل على وجوب الوفاء بالعهود أنها تدل على وجوب يعني ( {أَوْفُواْ} ) هذا أمرٌ، والأمر يقتضي الوجوب إذًا الوفاء بالعهد واجبٌ سواءٌ كان معه يمين أو لا؟ سواءٌ كان في التعامل مع الناس بعضهم البعض أو مع الولي ولي الأمر أو نحو ذلك فالأصل فيه الوجوب، تدل على وجوب الوفاء بالعهود، ومنها ما يجري بين الناس من إعطاء الذّمة فإنها يجب الوفاء بها لأنها فردٌ من أفراد معنى الآية. وبعض الشراح كأن كلامه يريد أن يخصص الآية بهذا المفهوم، هذا فيه نظر، وقول مجاهد لا يساعدهم.
وفي الآية تحريم نقض العهود والأيمان الداخلة في العهود والمواثيق.
وفيها إثبات العلم لله سبحانه وتعالى وأنه لا يخفى عليه شيء.
وفيها وعيد من نقض العهود والمواثيق، هذا من صفة اليهود ليس من صفة المسلمين، فيها وعيد من نقض العهود والمواثيق.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وعن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا) . الحديث سيأتي شرحه، هذا النص أراد المصنف رحمه الله تعالى أن يستدل به على ما تَرْجَمَ له (ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه) وسيبين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى الأمير أن يُنْزِلَ الناس على أو أن يجعل العهد مأخوذًا بذمة الله وذمة نبيه، وإنما أن يجعله على ذمته وذمة أصحابه، لأنه إذا جعله على ذمة الله وذمة نبيه حينئذٍ لا يجوز النقض، فإذا انتقض أو نقضه عاد على الإسلام وعلى ذمة الله تعالى، وهذا ينافي التعظيم. وسيأتي شرحه.