قوله: (عن بريدة) هو ابن حصيب الأسلمي، وروى هذا الحديث ابنه سلمان عنه كما في (( صحيح مسلم ) ) (قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمَّر أميرًا على جيش) كان تدل على ماذا؟ على الاستمرار دائمًا إذا مر بك النص كان فاعلم أن هذا تكرر من النبي - صلى الله عليه وسلم -، الصحابي عالمٌ باللغة وهذا من حكايته هو ليس من نص النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما سيأتي قوله: (أوصاه بتقوى الله ومن معه) .. إلى آخره (فقال: «اغزوا بسم الله» ) هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما الخبر فهو خبر صحابيٍ وهو من أئمة اللغة ليس من أهل اللغة فحسب، يعني مما يحتج به، وقد عَبَّرَ هنا بـ (كان) فدل على أن هذا الفعل يدل على الاستمرار، وهذه ما يعبر عنها بعض أهل الأصول أنها منزوعة الزمن لأن كان في الأصل تدل على ماضٍ انتهى وانقضى، كان زيدٌ قائمًا انتهى في الماضي اليوم لا، لا يوصف بكونه قائمًا، لكن إذا دل دليلٌ خارجي بأن الموصوف الذي هو الاسم الموصوف بمضمون الخبر أنه مستمر حينئذٍ نقول بالاستمرار كقوله تعالى: {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} [الفرقان: 54] . كان في الماضي فقط؟! لا، نقول: الله وتعالى متصفٌ بصفاته وهي أزليةٌ مستمرةٌ، إذا كان كذلك ماذا أفاد؟ هذا في القرآن كله من أوله إلى آخره إذا جاء الوصف وختمت الآية {وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا النساء} [النساء: 96] ، {وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 17] ، {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} . لماذا أتى بـ (كان) ؟ للدلالة على أن هذه الصفة مستمرة أزلًا وأبدًا، إذًا كان هنا تفيد الاتصاف اتصاف الاسم بمضمون الخبر مطلقًا لا يقيد بزمنٍ البتة، من هنا جاء لفظ كان مفيدًا للعموم، كان إذا دخل الخلاء قال، كان إذا خرج من الخلاء قال، لو قلنا: كان مرة واحدة. إذًا يقوله مرة واحدة، والمراد به أنه كلما دخل الخلاء قال، وكلما خرج قال. إذًا هذا الذكر مستمرٌ كلما وُجِدَ الفعل وُجِدَ الذكر، لو كانت كان تدل على شيءٍ واحدٍ وانقضى وانتهى إذًا السنة أن يقول هذه الأذكار مرةً واحدة لكن ليس هذا مراده، ولم يقل به أحدٌ من أهل العلم البتة، وإنما جعلوا هذه كان منزوعة الزمن.
إذًا هذا الذي سيذكره بريدة هنا كان من عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع السرية ومع الجيش أن يعلمهم ما يحتاجون تعليمه لأن الجهاد عبادة، بل من أجلّ العبادات، فيحتاج إلى شرطي العبادة: الإخلاص، والمتابعة. إذًا فيه إخلاص في سبيل الله، وفيه المتابعة، وليس المراد بالجهاد فقط أنه ينوي أن يجاهد في سبيل الله ثم يفعل ما شاء، نقول: لا، هذا ليس بجاهد هذا لا علم، وإنما الشرع بين أن الجهاد عبادة أمر به وأثنى على أصحابه وجعل من ما يتعلق بالموت في سبيل الله من الثواب العظيم في الدنيا والآخرة فهو عبادة ولا إشكال فيه، ولذلك إلغاؤها رِدَّةٌ عن الإسلام، وإذا كان كذلك فكل عبادة لا بد لها من باطن وظاهر، يعني باطن الْمُراد به الإخلاص، والظاهر المراد به ماذا؟ أن تقع هذه العبادة على الوجه الصحيح، بمعنى أن ثَمَّ أحكامًا يجوز أن يُفعل ولا يجوز أن يُفعل، كما أن الصلاة تقع موافقةً للنبي - صلى الله عليه وسلم - فحينئذٍ كذلك الجهاد فقوله - صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» . ليس خاصًا بالصلاة، وإنما صموا كما رأيتموني أصوم، حجوا كما رأيتموني أحج، كذلك جاهدوا كما رأيتموني أجاهد، لا فرق بينها وإنما جاء النقل في الصلاة وغيرها مثلها، واضح هذا؟ فينتبه لمثل هذه المسائل، أما قول من يقول بعض المعاصرين لا يفتي في الجهاد إلا أهل الجهاد، هذا قاله ابن تيمية بمعنى أن أهل الجهاد منهم علماء ومنهم من يكون في الساحة، ولا شك أن الحكم الشرعي متعلق بالعالم سواء جاهد أو لا، أليس كذلك؟ فإذا كان المجاهدون كلهم جهلة لا يحل الواحد منهم أن يقول حكم الله تعالى كذا إلا إذا وُجِدَ منهم عالم، صحيح؟ حقّ؟ لأن حكم الله مربوط بماذا؟ بالعلم، {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ، لكن بعض المسائل لا بد لها من فقه واقع المعركة، حينئذٍ يجتمع فيه أمران:
الأمر الأول: العلم الشرعي.
ثانيًا: أن يُدرك ما يحتاجه أهل الجهاد.