فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 2014

وعن عمر أنه فسره بالذنب فيكون المعنى الأمن من كل عذاب، صحيح هذا. {أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ} مطلقًا من كل عذاب، لأنه لم يقع في ظلم نفسه ولم يظلم العباد ولم يقع في ظلم بينه وبين ربه لا بشرك ولا بما دونه. إذًا هو صافي خالص لم يقع منه أي ذنب البتة. إذًا له الأمن التام والاهتداء التام.

وعلى الأول أنه يُفسّر بالشرك صار ماذا؟ له مطلق أمنٍ ومطلق اهتداء، فعندنا أمران:

-أمن مطلق يعني الكامل، وهذا إذا فسّر الظلم بالذنب.

-وعندنا مطلق أمن. يعني ناقص، ليس من كل وجه، وإنما أمنٌ من شيءٍ خاص من ذنب خاصّ وهو الشرك، وهذا هو المراد في السنة النبوية كما ذكرناه. فيكون المعنى الأمن من كل عذاب.

وثبت عن عمر أنه قال: بالأول كما حكاه ابن جرير عنه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ابن تيمية له تفصيل في الآية، وتفصيله والله أعلم ليس من منطلق النص نفسه وإنما النظر لعموم النصوص كلها وفسر هذه الآية، ولكنه والله أعلم أنه مصادم بهذه السنة الواضحة البينة، لماذا؟ لأنه ورد عدة أحاديث، وحديث ابن مسعود ثابت في الصحيحين أن المراد من تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم - ( {بِظُلْمٍ} ) هنا هو الشرك حينئذٍ نثبت في هذه الآية بأن المراد بـ ( {بِظُلْمٍ} ) هو الشرك. وقوله: {أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ} يعني مطلق الأمن، وما عداه هذا الصنف من الظلم نثبته بأدلة أخرى، لماذا نفعل هذا؟ لأنه ثبت تفسير خاص من النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا النص فلا نتجاوزه بالتعميم، النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله من إطلاق العام وإرادة الخاص، فإذا قلنا: هو باق على عمومه هذا يحتاج إلى سند قوي يعني وهو معارض لما ذكرناه سابقًا.

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: والذين شق عليهم - يعني ذلك الفهم - ظنوا أن الظلم المشروط (يعني عدمه) هو ظلم العبد نفسه، وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه فبين لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما دلهم على {إِنَّ الشِّرْكَ} ظلم في كتاب الله فلا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يُلبس إيمانه بظلم، فإن من لم يلبس إيمانه بهذا الظلم كان من أهل الأمن والاهتداء كما كان من أهل الاصطفاء لقوله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} . وهذا لاشك أنه موحد. هذا الكلام موافق بما ذكرناه سابقًا أن الصحابة شق عليهم تعميم النص فبين لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الظلم في كتاب الله أن الشرك ظلم فحينئذٍ خصه من باب إطلاق العام وإرادة الخاص بما ذكر. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهذا لا ينفي أن يُؤاخذ أحدهم بظلمه لنفسه بذنبٍ إذا لم يتب كما قال تعالى {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} . هذا نعم ومسلم به إذا خصصنا الظلم في الآية بالشرك وبأن له مطلق الأمن معناه سلم من كل ذنب لا يؤاخذ به؟ لا، بل يُعاقب على كل ذنب مات ولم يتب منه حينئذٍ نقول: لا يُعاقب لدخوله تحت المشيئة. لكن هل دلّ عليه هذا النص الذي معنا أو من نصوص أخرى؟

نقول: من نصوص أخرى. فنبقي على النص بظاهره ثم الحكم هذا مأخوذ من مدلولات أخرى كما ذكره رحمه الله تعالى {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} من الذنوب {شَرًّا يَرَهُ} .

ثم قال: فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة الشرك وظلم العباد وظلمه لنفسه بما دون الشرك كان له الأمن التام والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه لنفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقًا. أي مطلق أمنٍ ومطلق اهتداء، يعني أمن ناقص واهتداء ناقص، والحصة بالحصة كما يقول ابن القيم: المطلق للمطلق، والحصة للحصة. بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك في آيات أُخر. وقد هداه الله إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته إلى الجنة ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه لنفسه.

نقول: هذا فيه تعميم للنص لكنه مأخوذٌ من نص آخر، ثم هو والله أعلم معارض للسنة الواضحة البينة التي ذكرناها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت