الثانية: أن يكون بين المسلمين وبينهم عهدٌ محفوظ يستقيمون عليه، عهود فيجب الوفاء لهم للآية السابقة، وهي قوله تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ} [التوبة: 7] . استقاموا على ماذا؟ على العهد، بمعنى أن الذي يُعاهد من المشركين قد تأتي القرائن تدل على ماذا؟ على أنه يُحافظ على العهد هذا يسمى استقامة، بخلاف ما إذا جاءت البوادر على أنه سيخون حينئذٍ الحالة الثالثة، إذًا {فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ} بمعنى إذا حصل عهد وظهرت بوادر الاستقامة، يعني الوفاء والتمسك بهذا العهد، {فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ} جاء الأمر هنا {فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} ، وقوله: {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} [التوبة: 4] . ولذلك قال بعض أهل العلم أن هذه الآية {إِلَى مُدَّتِهِمْ} أنه لا يجوز العهود المطلقة هذه، وإنما تكون ماذا؟ تكون مقيدة، يكون عهد بين المسلمين إلى سنة، سنتين، عشر .. إلى آخره لكن يكون مقيد، أما مدى الحياة هذا ليس بعهد، لا يُسمى عهدًا البتة، مدى الحياة.
الحالة الثالثة: أن يكون بين المسلمين والمشركين عهد يُخَافُ خيانتهم فيه، بمعنى أنه تظهر بوادر الخيانة وعدم الاستقامة حينئذٍ يجب نبذ عهدهم، يعني طرحه ويخبرون أن لا عهد بين المسلمين والمشركين، يعني يجب إخبارهم ونبذه، قال تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً} [الأنفال: 58] . هؤلاء من؟ الذين عاهدوا وخاف منهم النبي - صلى الله عليه وسلم - خيانةً بأن ينقضوا العهد {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ} يعني عهدهم {عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} .
إذًا أحوال المسلمين مع المشركين باعتبار العهد وعدمه لا يخرج عن هذه الأحوال الثلاثة.
-أن لا يكون عهد بينهم حينئذٍ وجب القتال بعد الدعوة وبعد عدم إعطاء الجزية.
-الثاني: أن يكون بينهما عهد استقاموا عليه ظهرت بوادر الاستقامة لكن هذا العهد لا يكون مدى الحياة إنما يكون وقتًا ما، فحينئذٍ وجب الوفاء بالعهد.
الثالثة: أن يكون بينهما عهد وتظهر بوادر الخيانة، وحينئذٍ يجب على المسلمين نبذ هذا العهد وطرحه لكن بعد إخبارهم لئلا يُنسب إلى الإسلام ما ليس منه، فيُنْبَذُ إليهم، ثم بعد ذلك يُقاتلون.
قوله: ( «ولا تُمَثِّلُوا» ) هذا النهي الثالث ( «ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِرُوا، ولا تُمَثِّلُوا» ) التمثيل هو التشويه بالقتل كجذع أنفه وأذنه ونحو ذلك من العبث به، يعني قطع شيئًا من أعضائه لسانه، أخرج عينه، ونحو ذلك هذا يُسمى ماذا؟ يُسمى تمثيلًا، تشويهًا لخلق الله تعالى، هذا محرمٌ في الإسلام إلا ما سيأتي استثناؤه، ( «لا تمثلوا» ) التمثيل هذا نهيٌ، والنهي يقتضي التحريم، إذًا التمثيل الذي هو التشويه بالقتل كجذع أنفه وأذنه ونحو ذلك من العبث به نقول: هذا محرمٌ في شريعة الله، وهذا من محاسن الإسلام وكله محاسن، فيقطع بعض أعضائه يُمَثِّلُ به، وذلك إنما يكون التمثيل بالمحاربين عند أسرهم ونهى عنه الشارع لعدم الحاجة إليه، ولكونه انتقامًا في غير محله.