وأما إذا مَثَّلُوا بالمسلمين حينئذٍ جاء قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] . إذا مَثَّلُوا بالمسلمين جاز للمسلمين أن يُمَثِّلُوا ببعض أسرى الكافرين، والمسألة فيها خلافٌ بين أهل العلم، والصواب نقول: إذا مَثَّلُوا بالمسلمين فيجوز فيُمَثَّلُوا بهم لقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} حينئذٍ يكون مخصصًا للحديث، يعني قوله: ( «لا تمثلوا» ) مطلقًا سواءً مَثَّلُوا أو لا، ولذلك ذهب بعضهم أنه لا يُمَثَّلُ بهم لعموم هذا النص ( «لا تمثلوا» ) مطلقًا سواءً مَثَّلُوا بكم أو لا؟ لكن نقول: هذا مخصصٌ بالآية، والأول أصح أنه يُمَثَّلُ بهم إذا مَثَّلُوا بالمسلمين، وما قيل بأنه إذا مُثِّلَ بواحدٍ منهم أنه قد لا يكون راضيًا يعني إذ مثل المحاربون الكفار ببعض المسلمين هذا الذي أخذناه وأَسِرْنَاه ومَثَّلْنَا به قد لا يكون راضيًا؟ قل: لا، [الواحد من] فعل الواحد من الأمة يُنسب إلى الأمة كلّها، حينئذٍ نقول: ما فعله بعضهم يُنْسَبُ إلى الجميع لأنه كافر ولأنه خرج محاربًا، إذًا كل ما يُفعل فينسب إليهم، جوابه أن الأمة الواحدة فعل الواحد منها كفعل الجميع، ولذلك قال تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [البقرة: 72] . وهذا خاطبهم بفعل آبائهم، وكذلك قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} [البقرة: 63] . هذا خاطب به مَنْ؟ اليهود في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والفعل فعل آبائهم ليس لهم، دل ذلك على أن فعل الأمة أو الواحد من الأمة فعلٌ للجميع، وحينئذٍ إذا قيل: بأنه ليس براضٍ نقول: هذا تعليلٌ عليل والنص مخصوصٌ بما ذكرنا من الآية.
ثم قال - صلى الله عليه وسلم: ( «ولا تقتلوا وليدًا» ) الوليد المولود والصبي، والعبد، وكذا النساء، والرهبان يعني كل من لم يكن محاربًا، ( «لا تقتلوا وليدًا» ) الأصل فيه المولود يعني الصبي ومن كان في حكمه، ألحق أهل العلم بهذا النوع ماذا؟ من لم يكن محاربًا، يعني لم يكن مقاتلًا، حينئذٍ النساء والرهبان ونحو ذلك لا يُقتلون، فإن قاتلوا قُتِلُوا كما تقدم، أو حَرَّضُوا على القتال أو لهم رَأْيٌ في الحرب، إذا كان لهم رأيٌ في الحرب كالتصويت الذي يُسمى الآن يكونوا محاربين، إذا صَوَّتُوا بإقامة الحرب حينئذٍ نقول: الحكم واحد، فكلهم يعتبرون ماذا؟ محاربين، لأنه رأى وأَبْدَى رأيه حينئذٍ هو كالفاعل، ولذلك عندنا في الشرع لو أشار إلى زيدٍ من الناس فقُتِل يُقْتَلُ معه أو لا؟ أليس كذلك؟ يُقْتَلُ معه، إذًا هذا مثلهم فالحكم واحد لا فرق البتة.
ثم قال - صلى الله عليه وسلم: ( «وإذا لقيت عدوك من المشركين» ) ، ( «وإذا لقيتَ عدوك» ) هو فيه تهيج هذا يعني ما قال الكفار فحسب، ولم يقل ماذا؟ اليهود والنصارى أو المشركين، قال: ( «عدوك» ) يعني هذا الذي ستلقاه اعْتَقِد ماذا؟ أنه عدو، وإذا كان عدوًا حينئذٍ يكون مهيجًا للنفس، ( «وإذا لقيت عدوك» ) هذا فيه تهيج لقتالهم ( «من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلالٍ - أو خصال» ) قال: ( «فادعهم إلى ثلاث خلالٍ - أو خصال» ) شك الراوي يعني هل قال: ( «خصال» ) أو قال: ( «خلال» ) ووزنهما ومعناهما واحدٌ، ويفسر أحدهما بالآخر بمعنًى واحد الخصال هي الخلال والخلال هي الخصال، وهذا يجعلنا نجزم بأن الراوي هو الذي شكّ، ليس أو هنا للتنويع وإنما للشك.
قال: وقوله: ( «لقيت» ) ( «من المشركين» ) ( «إذا لقيت عدوك من المشركين» ) ، ( «لقيت» ) أي قابلت أو وَجَدت والعدو ضد الْوَلِيّ ( «من المشركين» ) هذا لفظٌ عام ( «من المشركين» ) فدخل كل كافرٍ ومنه اليهود والنصارى، اليهود والنصارى الصواب أنهم مشركون، وإن خُصُّوا بماذا؟ بالوصف الخاص في القرآن في أكثر المواضع اليهود والنصارى، ولو كانوا أصحاب كتابٍ، لأنهم أَشْرَكُوا هم وقعوا في الشرك الأكبر، النصارى يعبدون عيسى عليه السلام فالشرك متحققٌ فيهم.
على كلٍّ قوله: ( «من المشركين» ) دخل كل كافرٍ، ومنه اليهود والنصارى. ثم قال: ( «فادعهم إلى ثلاث خصالٍ - أو خلالٍ - فأيَّتَهُنَ» ) ، [ «فأيَّتُهُن» ] ( «فأيَّتَهن ما أجابوك» ) من هذه الخلال أو الخصال فاقبل منهم وكفّ عنهم ( «فأيتهن» ) .