إذًا هم كفار ولو لم يبلغوهم الإسلام، هذه مسألة مهمة ينبغي العناية بها، لأن الآن صار الحديث هل اليهود والنصارى كفار أم لا؟ بلغهم الإسلام أو ما بلغهم؟ إذا ماتوا على كفرهم على اليهودية والنصرانية يدخلون النار أو لا يدخلون؟ هذا نخشى على المتكلِّم أن يَكْفُرَ إن لم نجزم، حينئذٍ نقول: هذا لا ينبغي أن يقال: هل كفار أو ليسوا بكفار، بَلَغَتْهُمُ الدعوة أم لم تبلغهم؟ لا، كفار بإجماع السلف، بل بدلالة قطعية من الكتاب والسنة على أنهم كفار، ثم هل بلغتهم الدعوة أم لم تبلغهم، هذه المسألة تتلعق بوجود أهل الفترة، هل هي موجودة أو ليست موجودة، ومر معنا الحديث، أما الحكم في الدنيا فهذا لا يرفع الحكم عنهم بالكفر إلا من هو كافر، بل هو أكفر منهم.
كيف النبي - صلى الله عليه وسلم - بل القرآن في غير موضعٍ يُعلن فيه كفر اليهود والنصارى ثم يأتي اللفظ عام اليهود والنصارى ويُكفرهم ثم نقول: هؤلاء كفار أم ليسوا بكفارٍ؟ إذًا قال مالك رحمه الله تعالى: لا يُقاتل الكفار قبل أن يُدْعَوْا، ولا تُلْتَمَسُ غِرَّتُهُم. يعني بماذا؟ أنه يُغَرُّ بهم، غَارَّ، إلا أن يكونوا قد بلغتهم الدعوة فيجوز أن تؤخذ غِرَّتُهُم، يعني يهجم عليهم دون علمهم، لأن فائدة الدعوة أن يعرف العدو أن المسلمين لا يُقاتلون للدنيا، ولا للعصبية، وإنما يقاتلون للدين، فيُبَيَّنُ لهم الدين أولًا، ثم بعد ذلك يُقَاتَلُون. لو بَلَغَهُم حينئذٍ نقول: يُستحب التبليغ، تبليغ الدين، يعني البلاغ، حينئذٍ إذا كان كذلك فنقول: هذا مستحبٌ، إن بلغتهم الدعوة قبل أن يقاتلوا يُوجه إليهم النداء بأسلم تسلم وإلا قوتل، يجب إذا لم تبلغه الدعوة، لا يجب بل يستحب إن بلغته الدعوة، فإذا علموا بذلك أن المسلمين لا يقاتلون العصبية، ولا من أجل التراب والوطنية وإنما يقاتلون من أجل الإسلام ورفعة الدين، فإذا علموا بذلك أمكن أن يكون سببًا إلى انقيادهم إلى الإسلام، بخلاف ما إذا جهلوا مقصود المسلمين، فقد يَظُنُّون أنهم إنما يقاتلون للملك أو للدنيا فيزيدون عُتُوًا وعنادًا وبُغْضًا، فإن أجابوك يعني إلى الإسلام ( «فاقبل منهم» ) الإسلام، وكفّ عنهم القتال، لا يجوز أن يقاتلهم إذا أسلموا.
( «ثم ادعوهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين» ) يعني بعد ذلك إذا أسلموا، يعني إلى المدينة، دار المهاجرين آنذاك المدينة، مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني إلى المدينة إذ ذاك، وكان هذا في أول الأمر وجوب الهجرة إليها على كل من دخل في الإسلام، كل من دخل في الإسلام وجب عليه أن يهاجر إلى المدينة، لم يكن ثَمَّ دولة إلا تلك، لكن بعد ذلك بعد الفتوحات حينئذٍ يُهاجر من بلاد الكفر إلى بلاد المسلمين، أما تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - دار المهاجرين، أراد بها المهاجرين آنذاك المدينة، وليس المراد به الجنس كما قال بعضهم، إنما المراد به المدينة بعينها، وأما بعد ذلك فالعلة موجودة فالحكم مُعَلَّل أنه يَنْتَقِل من بلاد الكفر إلى بلاد المسلمين، فمتى ما وُجِدَ بلاد الإسلام انتقل إليها.
إذًا: ( «ثم ادعوهم إلى التحول» ) يعني الارتحال ( «من دارهم إلى دار المهاجرين» ) يعني إلى المدينة إذ ذاك، وكان هذا في أول الأمر وجوب الهجرة إليها على كل من دخل في الإسلام.
وفيه دليلٌ على وجوب الهجرة على كل من أسلم وهو في بلد الشرك إلى بلد الإسلام إذا استطاع، لأنه واجب، وكل واجبٌ مقيدٌ بالاستطاعة.