قوله: ( «أن القائل رجل عابد» ) يشير إلى ما رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كانا رجلانِ في بني إسرائيل متواخِيَيْنِ - متآخيين يعني - فكان أحدهما يُذنب والآخر مجتهد في العبادة» ، هذا يُذنب، والآخر مجتهد في العبادة، دَلّ ذلك على أنهم على ملة واحدة يعني ليس بكافر ومسلم «فكان لا يزال المجتهد» لا يزال تدل على الاستمرار «لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب» يقع في ذنبٍ وقد يَجْهَرُ به «فيقول أقصر» يعني انتهي عن هذا العمل «فوجده يومًا على ذنبٍ فقال له: أقصر. فقال: خلِّنِي ورب» يعني هذا بيني وبين الله تعالى، قديم هذا خلنِي وربي، يعني اتركني، اتركني وربي، هو حسيبِي، هو رقيبِي، ما الذي حشرك؟ ولذلك قال: أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا، فقال: «والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة» هذه أو أو متلازمتان، إذا كان لا يغفر الله له لن يدخله الجنة، فقال هذه الجملة أو #23.45 «فقبض أرواحهما» ماتا، المذنب وهذا المجتهد «فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا: المجتهد» يعني الله عز وجل «أكنت بي عالمًا أو كنت على ما في يدي قادرًا؟» لأنه كونه يغفر أو لا يغفر يُدخل الجنة أو لا يدخل الجنة هذه ليست إليك، ودائمًا قلنا: مسائل التكفير ونحوها هذه إنما نحكم على الناس في ماذا؟ في الظاهر في الدنيا، هذا كافر، هذا مرتد، هذا وقع في ناقضٍ فيُنَزّل عليه الحكم الشرعي، أما كونه يعلم أو لا يعلم يجهل أو لا يجهل هذه ليست إلينا، نحن مكلفون بتنزيل الحكم الشرعي، ثم بعد ذلك في الآخرة نقول: الجنة والنار ليست بأيدينا فلا تعارض بين الأمرين لذلك لما قال: «والله لا يغفر الله لفلان أو لا يدخله الجنة» قال: ... «أكنت بي عالمًا» لأن هذه لا تتعلق بالمخلوقين، ليس هذا العلم بدخول الجنة أو النار يتعلق بعلم المخلوقين إلا فيما جاء النص به بكونه فلان في النار من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو، أو .. إلى آخره حينئذٍ نقول: هذا يُستثنى، وإن كان بعضهم يرى من أهل السنة والشيخ ابن باز على ذلك رحمه الله تعالى أنه من عَلِمْنَا أنه مات على الكفر نعلم أنه مات نشهد له بالنار، قال بعض أهل العلم كذلك، وهو محتمل النصوص تحتمل هذا النوع. إذًا قال ماذا؟ «أكنت بي عالمًا» أو «أو كُنْتَ على ما في يدي قادرًا، وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي» . أدخله الجنة، غفر له. «وقال للآخر: «اذهبوا به إلى النار» إذًا قد حشر نفسه في شيءٍ ليس من علمه وليس بقدرته، وإنما هو من شأن الله تعالى ويتعلق بخصائص الباري جل وعلا، المغفرةُ ليست بيد أحد من الأنبياء فضلًا عن من دونهم، دخول الجنة والحرمان من الجنة ليس بيد أحد من الأنبياء فضلًا عن من دونه، فلا بحث أبدًا في دخول الجنة أو النار أو التخليد أو نحو ذلك إلا بالنص، وإذا لم يوجد نص حينئذٍ هذا لا ينفي تنزيل الأحكام الشرعية هنا وقع ارتباط عن بعضهم فصار عنده خلل معناه إذا حكمنا عليه بالكفر أدخلناه النار، نقول: لا، لا يلزم، وإنما نحن مأمورون بتنزيل الأحكام في الظاهر على ظواهرها، فمن أظهر الإيمان حكمنا عليه بالإيمان وقد يكون منافقًا أليس كذلك؟ هل نحن مذنبون إذا حكمنا على شخص بما أظهره من الإسلام والإيمان وهو يعيش بين المسلمين وقد يُدافع عن الدعوة وعن الإسلام .. إلى آخره ثم هو منافق؟ هل نأثم؟ لا نأثم، والعكس صحيح، إذا أظهر الكفر فكَفَّرْنَاه ويكون في قلبه الإيمان أو الإسلام نحن لسنا مكلفين بهذا، وإنما بما أظهره. إذًا هذا الذي قد فعله إنما حكمَ على الله تعالى بما ليس من شأنه، ولذلك قال له: «أكنت بي عالمًا أوكنت على ما في يدي قادرًا» ، (قال أبو هريرة: تكلم بكلمة) وهي قوله: «والله لا يغفر الله لك» ( «أوبقت» ) أهلكت، ومنه السبع الموبقات أي المهلكات كما مر معنا.