فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 2014

وإن كان مراده جنس الشرك، هذا من أجل ماذا؟ من أن أجل أن يشمل الأصغر وما دونه، فيحتمل فيوجه على ما أُثِرَ عن عمر، بأن المراد الذنب لأن عندهم أن الذنوب كلها داخلة في جنس الشرك الأصغر، فإذا كان مراد النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنما هو الشرك» حينئذٍ صار ماذا جنس الشرك الشامل للجنس الأكبر والأصغر وما كان داخلًا في جنس الشرك الأصغر وهو الذنوب، فصار عامًّا موافقًا للقول الآخر، وإن كان مراده جنس الشرك فيقال: ظلم العبد لنفسه حتى يُقَدِّمَ هواه على محبة الله شركٌ أصغر هكذا غبر تجدونه هكذا في (( فتح المجيد ) ): ومراده من جنس الشرك الأصغر. وليس هو الشرك الأصغر هكذا ونحو ذلك، فهذا فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنب في هذا الشرك بهذا الاعتبار، يعني الذنوب تعتبر شركًا لكنها باعتبار ماذا؟ باعتبار الأجناس لا من حيث الآحاد، وهذا سيأتي بسطه في باب تحقيق التوحيد هناك.

قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في الآية: ( {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم} ) إلى آخره ساق بسنده عن الربيع بن أنس قال: الإيمان الإخلاص لله وحده. وقال ابن كثير في الآية: أي هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده ولم يشركوا به شيئًا هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة. وقال ابن جرير كذلك في قوله ( {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ} ) : أي صدقوا الله وأخلصوا له العبادة ولم يخلطوا عبادتهم إياه وتصديقهم له ( {بِظُلْمٍ} ) يعني بشرك جرى على الجادة، بظلمٍ يعني بشرك ولم يشركوا في عبادته شيئًا ثمً جعلوا عبادتهم لله خاصًا أحق بالأمن من عقابه مكروه عبادته ربه. وهذه العبارة فيها ركاكة تحتاج إلى تحرير، والمعنى واضح. من الذين يشركون في عبادتهم إياه الأوثان والأصنام، فإنهم الخائفون من عقابه مكروه عبادتهم. أما في عاجل الدنيا فإنهم وجلون من حلول سخط الله بهم، وأما في الآخرة فإنهم الموقنون بأليم عذاب الله.

ثم قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله تعالى بقوله ( {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} ) . فقال بعضهم: شرك. ثم حكاه بأسانيده عن ابن مسعود وأبي بكر وسلمان وحذيفة وابن عباس وأبي بن كعب وعمر بن خطاب وأبي ميسرة وإبراهيم وقتادة ومجاهد والسُّدي، وابن زيد وغيرهم جماهير السلف على هذا التفسير، فيخص معنى ( {بِظُلْمٍ} ) يعني بشرك.

ثم قال: وقال آخرون: بل معنى ذلك ولم يخلطوا إيمانهم بشيءٍ من معاني الظلم. يعني فسره بما أُثِرَ عن عمر فيعني بذنب فيعم حينئذٍ الظلم بأنواعه الثلاثة. لكن انتبه هؤلاء الذين قالوا بهذا المعنى على ما نسبه ابن جرير خصوا الآية بإبراهيم، لم يجعلوها عامة. يعني القول الثاني بظلمٍ يعني بأنواعه الثلاثة قالوا: هذه الآية خاصة بإبراهيم وليس لهذه الأمة منها شيء البتة. ولكن هذا معارض بالنص لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجههم شق عليهم فنبههم ولو كان الأمر ذلك ما يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وهم قد أرادوا ماذا؟ أن يقتبسوا الحكم الشرعي من النص، ولم يخلطوا إيمانهم بشيءٍ من معني الظلم وذلك فعل ما نهى الله عنه فعله أو ترك ما أمر الله بفعله. وقالوا: الآية على العموم. بظلمٍ عام الآية على العموم لأن الله تعالى لم يخص به معنىً من معاني الظلم لكن خصصه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - التخصيص موجود أو لا؟ فالنفي هذا ليس في محله، بل هو مخصوص، ليس مخصوص من العام الذي دخله الخصوص وإنما جاء البيان بأنه عام أريد به الخصوص. وقالوا: إن الله عني بهذه الآية خاصًا من خلقه دون الجميع منهم، والذي عني بها وأراده بها خليله إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -. فأما غيره فإنه إذا لقي الله لا يشرك به شيئًا فهو في مشيئته إذا كان قد أتى بعض معاصيه التي لا تبلغ أن تكون كفرًا فإن شاء لم يؤمنه من عذابه وإن شاء تفضل عليه فعفا عنه.

إذًا من لم يكن داخلًا في النص ردوه إلى النصوص الأخرى فوافق النتيجة فوافق القول الأول، وإنما الخلاف يكون في ماذا؟ هل هذه الآية مخاطب بها هذه الأمة أم لا؟

على قولهم أنها خاصة بإبراهيم علي السلام الأمة لا تشملها.

وعلى القول الآخر فهي عامة لهذه الأمة ولإبراهيم عليه السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت