فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 2014

قالوا: وذلك قول جماعة من السلف أن المراد به عموم الظلم وأنه خاص بإبراهيم عليه السلام. قال علي رضي الله تعالى وأورده بسنده ابن جرير: وهذه الآية لإبراهيم خاصة ليس لهذه الأمة منها شيء.

إذًا نحتاج إلى إثبات قول وهو أن المراد بالظلم العموم وأنها عام لجماعة الأمة لكل الأمة ليس خاصًّا بإبراهيم، هذا نحتاج إلى إثباته.

قال ابن جرير: وأولى القولين بالصحة في ذلك ما صح به الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهو الخبر الذي رواه ابن مسعود عنه أنه قال: الظلم الذي ذكره الله تعالى في هذا الموضع هو الشرك وهذا واضح بيِّن ولذلك قال ابن القاسم في حاشيته: ( {وَلَمْ يَلْبِسُواْ} ) أي ولم يخلطوا توحيدهم بشركٍ ولبس الشيء بالشيء إذا ماذا؟ إذا أحاطه أو تغطيته به وإحاطته من جميع جهاته، ولا يغطي الإيمان ويحيط به ويَلْبِسَهُ إلا الكفر لأنه ( {وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم} ) أفاد ماذا؟ أفاد أن الذي يلبس الإيمان هنا محيطًا به من جميع الوجوه والجهات، وهذا لا يكون إلا للشرك الأكبر. فحينئذٍ يكون من العام الذي أريد به الخصوص.

قال في شرح (( الكوكب المنير ) ): العام الذي أريد به الخصوص كلي استعمل في جزئي، بمعنى أن أصله قبل الاستعمال هو عام، ظلم هذا يشمل الأنواع الثلاثة، ثم لَمَّا أريد إدخاله في هذه الجملة بمعنى خاص حينئذٍ خرج بالنية قبل التكلم، هذا في حق المخلوقين، ولذلك قال: والعام الذي أريد به الخصوص كلي - يعني في أصله - استعمل في جزئي. ومن ثَمَّ كان مجازًا لنقل اللفظ عن موضوعه الأصل بخلاف العام المخصوص وقرينته عقلية لا تنفك عنه.

وقال السبكي: العام المخصوص أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لها. يعني داخل فيه {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] كل مطلقة داخلة في هذا النص، ثم جاءت المخصصات وأخرجت بعض الأفراد. إذًا اللفظ يتناوله ابتداءً ومن حيث دلالة اللفظ عليه لكن من حيث الحكم لا، لماذا؟ لوجود المخصصات التي تثبت إن ثَمَّ أفرادًا قد دخلوا في اللفظ في قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ} قد خالفوا الحكم المذكور. حينئذٍ يكون العام المخصوص تناول الأفراد كلها من حيث اللفظ لا من حيث الحكم، فالحكم يختلف، ولذلك قال: العام المخصوص أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لها لا من جهة الحكم والذي أريد به الخصوص لم يرد شموله لجميع الأفراد لا من جهة التناول ولا من جهة الحكم بل هو كلي استعمل في الجزئي، ولهذا كان مجازًا قطعًا لنقل اللفظ عن موضوعه الأصلي بخلاف العام المخصوص. ومنه {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ} ، {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} إذًا الناس إذا تكلموا قالوا لمن؟ كلهم يتكلمون، قالوا لأنفسهم؟ لا، إنما يكون الأول المراد به واحد، ولذا قيل: نعيم بن مسعود أو غيره. قوله {أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف، و {مُّهْتَدُونَ} هذا مشتق من الهداية لأنه اسم فاعل مهتد مأخوذ من الاهتداء، (أل) في الأمن على القولين قيل: للجنس. وعليه فالأمن نوعان:

-أمن مطلق.

-وأمن مقيد.

أمن مطلق، ومطلق أمن.

أمن مطلق الذي هو التام. إذًا يكون نوعين: أمن مطلق، ومطلق أمن.

حسب نوع الظلم الذي تلبس به وهذا إن عممنا الآية. قال في (( إبطال التنديد ) )والأمن أمنان: أمن مطلق، وأمن مقيد. كل الشراح ذهبوا إلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بأن المراد بظلم عام، حينئذ تأتي المطلق للمطلق والحصة للحصة، لكن هذا كما ذكرناه سابقًا، وابن جرير الطبري لا يرى هذا وهو إمام المفسرين. لذلك قال في (( إبطال التنديد ) ): والأمن أمنان: أمن مطلق، وأمن مقيد.

فالأول: هو الأمن من العذاب. وهو لمن مات على التوحيد ولم يصر على الكبائر. هذا أمن مطلق لكن ليس هو المراد في الآية.

والثاني: هو لمن مات على التوحيد مع الإصرار على الكبائر. هذا هو المراد في الآية، لماذا؟ لأننا خصصنا الظلم بأن المراد به الشرك. وإذا قيل: بأنهم لم يخلطوا إيمانهم بشرك لا يلزم منه أنهم قد وقعوا في ظلم آخر وهو ظلم النفس وظلم الآخرين، وحكمهما يؤخذ من النصوص الأخرى. واضح هذا يؤخذ من النصوص الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت