إذًا هنا قال: فاطلب من الله أن يَسْقِيَنَا. وهذا جائزٌ لأن طلب الدعاء ممن ترجى إجابته من وسائل إجابة الدعاء. (فإنا نستشفع بالله عليك) ، فإنَّا فإنَّنَا هذا الأصل (نستشفع) أي نطلب الشفاعة بالله عليك أي نجعله واسطة بيننا وبينك لتدعو الله لنا، وهذا يقتضي أنه جعل مرتبة الله أدنى من مرتبة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، هذا المحظور هنا هذا الشاهد للباب (فإنا نستشفع بالله عليك) يعني نجعل الله تعالى شفيعًا لنا عندك، فجعل مرتبة الله تعالى أدنى من مرتبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، (وبك على الله) أي ونستشفع بك على الله، أي نطلب منك أن تكون شافعًا لنا عند الله فتدعو الله لنا، هذا جائز أو لا؟ جائز، لذلك ما كَرِهَهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فعندنا هنا ثلاث جمل:
-ثنتان جائزتان.
-وإحداهما أو إحداها ممنوعة.
(فاستسق لنا ربك) جائزٌ.
(فإنا نستشفع بالله عليك) لا يجوز.
(وبك على الله) جائز، يعني نجعلك شفيعًا عند الله تعالى، وهذا نجعلك شفيعًا عند الله في باب الدعاء لا إشكال فيه، هذه شفاعة في الدنيا ليست هي سؤال الشفاعة التي تكون في الآخرة، تلك لا تُطلب إلا من الله تعالى، وأما هذا المراد به الدعاء فلا إشكال فيه، لأن الدعاء نوع من الشفاعة. إذًا (وبك على الله) أي ونستشفع بك على الله أي نطلب منك أن تدعو أن تكون شافعًا لنا عند الله فتدعو الله لنا، والاستشفاع بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته إنما المراد به استجلاب دعائه، لذلك جاءوا في وقت حياته وهو حي عليه الصلاة والسلام، ولذلك لم ينكره عليه، فإن دعاءه مستجابٌ، هذا هو الأصل، وهذا لا إشكال فيه وفي جوازه، وأما بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - فلا يجوز طلب ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - لاستحالة ذلك منه، يستحيل أن يجيب الدعاء بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -، أن يجيب الدعاء بمعنى ماذا؟ أن يسأل الله تعالى، ليس المراد أنه يُدْعَى، إن دعاه هذا شركٌ واضح، لكن هل يُسْتَسْقَى به كما قال هنا (فاستسق لنا ربك) هذا جاءه وهو حيّ، هل يأتيه وهو ميت يقول: استسق لنا ربك؟ الجواب: لا، إنما يكون في حياته، ولذلك لما خرج عمر الفاروق ليستسقي بالناس خرج بالعباس عمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمره أن يستسقي لأنه حيٌّ حاضرٌ يدعو ربه، فلو جاز أن يُسْتَسْقَى بأحدٍ بعد وفاته لاستسقى عمر في السابقين الأولين بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، يعني السابقون ما كانوا يتوجهون للنبي - صلى الله عليه وسلم - لو جاز أن يُسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان عمر بجواره النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلماذا عَدَلَ عنه إلى العباس، لماذا؟ ليس عندنا علة إلا كون ذلك حيًّا وهذا ميتًا، والميت لا يُسأل الدعاء البتة، لا يُسأل هو مباشرةً، ولا أن يكون واسطةً، وبهذا يظهر الفرق بين الحيّ والميت ومر معنا ذلك مرارًا.
(فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله! سبحان الله!» ) ، ولفظه (فقال) : «ويحك» )، أتدري ما تقول؟ وسبَّح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي سبح الله كثيرًا وعظمه لأن هذا القول لا يليق بالخالق سبحانه بحمده، وفيه إنكار لقوله، التسبيح هنا أخذ منه الإنكار، وهكذا كان يُسبح إذا استعظم أمرًا أو يُكبر أو يهلل.