فهرس الكتاب

الصفحة 1996 من 2014

إلى آخر ما يقول: أهل الشرك. هذا ما قال، ومع ذلك أنكره النبي - صلى الله عليه وسلم - أين هم عن هذه الأحاديث، فقال: ( «قولوا بقولكم» ) أرشدهم إلى الأدب في ذلك فأمرهم أن يقولوا بقولهم من قبل هذه المقالة ولا يتكلفوا الألفاظ التي ربما أدت إلى الغلو أو إلى ما يحسن، فالمراد بقوله: (أنت سيدنا) ، وأنت أفضلنا ونحوها قال: قولوا ببعض قولكم ( «قولوا بقولكم، أو بعض قولكم» ) فيه حذفٌ أي أو دعوا بعض قولكم واتركوه، يعني قولوا بقولكم، أو بعض، يعني بعض القول الذي قد قيل، يُريد بذلك الاختصار في المقال، وذلك أنه كانوا مدحوه فَكَرِهَ لهم المبالغة ونهاهم عنه. قال: ... ( «ولا يستجرينكم الشيطان» ) يَسْتَجْرِيَنَّ بفتح الياء، لماذا؟ مبنيٌّ على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، أي لا يتخذنكم جَرِيًا، ويقال الوكيل، وفي النهاية: فيتخذكم جريًا أي رسولًا وكيلًا، يعني لا يجري بكم لا تجرون معه، هذا المراد به، يعني فقد يجري مع الشيطان معنى أنه يستميله فيمشي معه، إذًا الكلمة في أصلها قد تكون مباحة لكن لو استرسل الإنسان حينئذٍ يؤدي به إلى الوقوع في المحظور الشرعي، وبذلك قد يقال بأن هذه الألفاظ في أصلها ليست محظورة، لكن خَشِيَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يَجْرُوا مع الشيطان، لأن الشيطان يتدرج فيأتون [بمن] بما أصله مباح، ثم يَصِلُون به بعد ذلك إلى ما هو محظور شرعي. وفي النهاية فيتخذكم جريًا أي رسولًا وكيلًا أو المعنى لا يستميلنكم الشيطان ويَجْذِبَنَّكُم إلى أن تقولوا قولًا منكرًا، هذا هو الظاهر والعلم عند الله، أنه ماذا؟ هذا لا يُفهم منه أن هذا الكلام الذي قالوه أنه محظور في ذاته، لكن خشية أن يقعوا في المحظور، لأنه مر معنا السيد الأصل فيه ماذا؟ الجواز، إلا إذا اقترنت به قرينة تدل على الكراهة، والأصل فيه الجواز.

مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن الغلو في المدح واستعمال الألفاظ المتكلَّفَة التي ربما تُوقع في الشرك، فإنه لَمَّا بالغ هذا الوفد في مَدْحِ النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاهم عن ذلك، هو اعتبره مُبَالَغَةً تَأَدُّبًا مع الله تعالى وحماية للتوحيد، وأمرهم أن يقتصروا على الألفاظ التي لا غُلُوّ فيها ولا محظور كأن يدعوه بمحمدٍ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما سماه الله عز وجل، وأما تسمية العبد بالسيد فمحل خلافٍ، وكما مر معنا.

قال ابن القيم: اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر، فمنعه قومٌ، ونقل عن مالك، واحتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا قيل له يا سيدنا (فقال: «السيد الله تبارك وتعالى» ) ، وجَوَّزَهُ قومٌ إذًا استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على المنع، ونُقِلَ عن مالك، وجَوَّزَهُ قومٌ واحتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار: «قوموا إلى سيدكم» . وهذا أصح من الحديث الأول، قال هؤلاء: السيد. أحد ما يضاف إليه يعني يضاف إلى غيره سيدنا، أليس كذلك؟ سيد القوم يُضاف إلى غيره، فلا يقال للتميمي: سيد كِنْدة، ولا يقال للملك سيد البشر، فلا يضاف في جهة ماذا؟ إذا استعمل في حقِّ الله تعالى. قال ابن القيم أو القائلون وقال: وعلى هذا فلا يجوز أن يُطلق على الله تعالى هذا الاسم. قال: وفي هذا نظر ابن القيم. يعني المنع فيه نظرٌ، فإن السيد إذا أُطلق عليه تعالى فهو في منزلة المالك والمولى والرب، لا بمعنى الذي يُطلق على المخلوق. إذًا السيد بـ (أل) هذا يطلق على الله تعالى، وأما إذا أضيف إلى البشر أو إلى المخلوق فالأصل فيه ماذا؟ الأدلة تدل على الجواز، وكذلك إطلاقه على الله تعالى جاء من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد مر معنا الخلاف هل هو اسمٌ أو لا؟ جاء من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك استعمله الصحابة، فأطلقوا السيد على الله تعالى.

وصح عن ابن عباس أنه قال في معنى قوله تعالى {أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا} [الأنعام: 164] أي إلهًا وسيِّدًا، فأُطلق على الله تعالى، لكن بمعنى المالك ونحو ذلك، وكما سَبَقَ في قول {اللَّهُ الصَّمَدُ} قال: السيد الذي كَمُلَ في جميع أنواع السؤدد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت