قال المحشي: ولعله رحمه الله أراد عطفه على ابن جرير فقد رواه هو وأبو الشيخ والبيهقي وابن مردويه عن أبي ذرٍ أنه قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الكرسي فقال: «يا أبا ذر ما السماوات السبع، والأرضون السبع» نص على أن الأرضين سبع كالسماوات وهو كذلك «ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة» الحلقة المراد بحلقة الدرع يعني شيء يسير هكذا شيءٌ يسير جدًا مرمي في الصحراء، هل له أثر؟ لا أثر له، هذا المراد به هنا، وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهدٍ قال: ما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقة بأرضٍ فلاةٍ وما موضع الكرسي من العرش إلا مثل حلقة في أرضٍ فلاةٍ. أي وسط فلاةٍ، يعني أشبه ما يكون بالصحراء التي لا شيء فيها، بل عدّ بعض أهل العلم أن السماوات السبعة والأرضين السبعة وما فيهما وما بينهما بالنسبة إلى العرش كحلقةٍ في فلاةٍ من الأرض عد ذلك من المتواتر، يعني هذه المعاني متواترة، وبعض الأحاديث أسانيدها صحيحة، وبعضها صحيحةٌ لغيرها، وبعضها حسنةٌ بمجموعها، وبعضها ضعيف قابل للانجبار، حينئذٍ بالمجموع صار ماذا؟ صار متواترًا، يعني أهل السنة والجماعة على ذلك لا يخالفون فيه البتة، فهو من المتواتر، وفيه دلالةٌ على عِظَمِ العرش بالنسبة إلى الكرسي، لا شك أن العرش الذي هو موضع استوائه جل وعلا أكبر من الكرسي الذي يكون موضعًا للقدمين، وتقدم أنه فوق السماوات كالقبة. قال شيخ الإسلام: العرش مقببٌ، يعني ليس بشيءٍ مستوٍ، وإنما هو مقببٌ، ولم يثبت أنه مستدير مطلقًا، بل ثبت أنه فوق الأفلاك، وأن له قوائم فيجب أن يُعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق جل وعلا في غاية الصغر. هذا المراد من جهة ماذا؟ تقرير هذه النصوص، أن العالم العلوي السماوات السبع وما فيهما وما فيها، وكذلك الأرضون السبع وما فيها أنه بالنسبة إلى الخالق جل وعلا ليس بشيء بل هو في غاية الصغر.
فمناسبة ذكر الحديثين في الباب أنهما يدلان على عظمة الله وكمال قدرته وقوة سلطانه.
ويستفاد كذلك أن الكرسي أكبر من السماوات، وأن العرش أكبر من الكرسي، أليس كذلك؟ أن الكرسي أكبر من السماوات، وأن العرش أكبر من الكرسي، العرش هو موضع الاستواء العلو والارتفاع، ثم الكرسي الذي هو ماذا؟ موضع القدمين، الكرسي أعظم من السماوات، فكيف بالعرش من بابٍ أولى وأحرى؟ وأن العرش غير الكرسي متغايران ليس هو بعينه.
وفيه الرد على من فسّر الكرسي بالْمُلْك أو بالعلم، هذا نُسِبَ لابن عباس، لكنه لا يصح {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} [البقرة: 255] قالوا: علمه. لا ليس بصحيح، الكرسي لا يفسر بالعلم ولا يفسر بالملك، وإن كان العلم ثابتًا، والملك كذلك ثابت، لكنه الكرسي ليس هو عين العلم والملك، وما أُثر عن ابن عباس فأورده بعضهم روايةً عنه ابن جرير وغيره هذا يعتبر غلطًا عليه لا يصح البتة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وعن ابن مسعود قال: «بين السماء الدنيا» ) هو قال ابن مسعود لم يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو موقوف عليه لكن له حكم الرفع، لأن هذه ليست مما يقال بالرأي لا بد من وقوفٍ على وحي، ما الذي أدرى ابن مسعود؟ يحتاج إلى نصٍ، يحتاج إلى وقفٍ.