قوله: (عن العباس بن عبد المطلب) و (أل) فيه للمح الصفة زائدة. (قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون كم بين السماء والأرض؟» ) أخرج هنا الخبر بصيغة الاستفهام ليكون أبلغ في النفوس، ففيه تسويق لِمَا سيذكر، وفيه تنبيهٌ على ما سَيُلْقِيه عليهم كل ذلك في ما يتعلق بإخراج الصيغة من جهة كونها خبرًا إلى أن تطرح بجهة السؤال، ( «هل تدرون كم بين السماء والأرض» ) حينئذٍ يَشُدّه، وإذا شَدَّه حينئذٍ أعطاه المعلومة حفظت، فمن أسلوب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يأتي أحيانًا بالسؤال لكن ليس العلم كله سؤال وجواب، إنما هذا في أشياء معدودة. قال هنا: (قلنا: الله ورسوله أعلم) ردوا العلم إلى الله وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا فيه حسن الأدب مع الله تعالى، وإسناد العلم إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حال حياته، وأما بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - فيقول: الله أعلم. إلا في المسائل الشرعية قال مثلًا حكم الصلاة واجبةٌ، ما حكم الصلاة؟ قال: الله ورسوله أعلم. لا بأس به، لماذا؟
لأن هذا علمٌ يتعلق بالشريعة ويعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن لا فائدة من ذكره، فالله أعلم هذا ردّ العلم إلى الله تعالى، أما الذي يكون ليس من الشرع فلا يقال فيه: الله ورسوله، يقال: الله أعلم فقط. إذا استجد شيء بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمور الدنيا ولم يعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعًا لا يعلم ما بعد وفاته بشيءٍ فإذا كان كذلك فلا يجوز قول: الله ورسوله أعلم، وإنما يقال الله أعلم بخلاف المسائل الشرعية. (قلنا: الله ورسوله أعلم قال: «بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة» ) وهذا مرّ فيما سبق قال: ( «وكِثَف كل سماء» ) ، («وكِثَف) يعني ماذا؟ السمك والغلظة، أليس كذلك؟ يعني حجمها من جهة سَمَاكتها وهو ضد اللطافة، ويدل على المسافة بينهما ظاهر قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} [الطلاق: 12] هذا ذكره صاحب الحاشية، لكن ليس فيه أو ليس له وجهٌ.
وفيه عظم السماوات وسعة ما بينهن وكذا الأرض مثلهن.
إذًا ( «كثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة» ) قال: ( «وبين السماء السابعة والعرش بحر» ) ، ( «بحر» ) على أصله، البحر الذي يعلم في الأرض بحرٌ ( «بين أسفله وأعلاه» ) إذًا له أسفل وله أعلى، وهو كذلك حتى في الدنيا، له قاع أسفل وله علو، ( «بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض» ) لكن هذا ليس هو في الدنيا إنما هو فيما يتعلق بالعلو. قال: ( «كما بين السماء والأرض» ) وتقدم في حديث ابن مسعود: ... ( «وبين الكرسي والماء خمسمائة عام» ) ولا منافاة بينهما، ليس بينهما منافاة، لأن الكرسي فوق السماوات، وهذا من أبهر الآيات آيات الله تعالى كما أن الأرض مغمورة بالبحر واليابس منها نحو الربع وهي محفوفةٌ بعنصر الماء كأنها عنبةٌ طافيةٌ عليها، وهو فوقها، ولا يطغى، عليها وإنما انحسر الماء عن بعض جوانبها لما أراد الله عز وجل من تكوين الحيوانات فيها وعمرانها ببني آدم الذي له الخلافة على سائرها، فكذا السماوات بينها وبين العرش بحرٌ سمكه طول ما بين السماء والأرض، وهذه النصوص كما ذكرنا تُقرأ كما هي.