إذًا ( «وأن محمدًا» ) معطوف على قوله: ( «شهد» ) ولذلك فتحت همزة ( «أنَّ» ) ، شهد ( «محمدًا عبده ورسوله» ) أي شهد بذلك، وهو معطوف على ما قبله على نية تكرار العامل بمعنى أن الشهادة قد وقعت بمعناها الذي ذكرناه سابقًا من العلم والصدق والعمل على الجمل الآتية كلها، فكل جملة معطوفة على قوله: ( «أن لا إله إلا الله» ) على نية تكرار العامل، بمعنى أن مقتضى الشهادة هذا اللفظ قد وقع على هذه الجمل الخمس الآتي ذكرها، وهو معطوف على ما قبله على نية تكرار العامل على الصحيح أن المعطوف له حكم المعطوف عليه، وأن العامل في المعطوف عليه هو العامل في المعطوف، وهذا مقرر في محله في كتب النحو فتكون الشهادة واقعة على هذه الجملة وما قبلها وما بعدها، ما قبلها بالنص، وما بعدها يكون إتباعًا له في الحكم، وما بعدها أي وشَهِدَ أن محمدًا عبده ورسوله بصدقٍ ويقين، وذلك يقتضي إتِّباعه مطلقًا، يعنى فيما أخبر به وفيما أمر ونهى، ( «وأنَّ محمدًا» ) ، محمد المراد به هنا إذا أطلق انصرف إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي خاتم الأنبياء.
نبينا محمد من هاشم ... إلى الذبيح دون شك ينتمي
( «عبده» ) الإضافة هنا تقتضي التشريف والتكريم، والعبد فَعَل مصدر، والمصدر يحتمل أنه بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول، وإذا كان بمعنى المفعول المعنى لا يستقيم هنا، ( «عبده» ) يعنى مُعَبَّد، ومُعَبَّد كل من هو نبي أو غير نبي فهو مُعَبَّد، والمراد به بمعنى اسم الفاعل أي العابد، فحينئذ تكون العبادة هنا خاصة لا عامة، إذًا ( «عبده» ) ، ( «أنَّ محمدًا عبده» ) ، عَبْد مصدر فَعْل، وفَعْل يأتي بمعنى اسم المفعول وهو محتمل لكنه باطل هنا، لماذا؟ لأنه يكون المراد به التعبيد العام الذي يستوي فيه محمد وغيره، وليس هو المراد، بل المراد به عبادة خاصة وصفه بها ربه جل وعلا، وحينئذ نفسر العبد هنا بمعنى العابد، ولذلك قال الشراح هنا: ومعنى العبد هنا المملوك العابد، ولذلك أضافه إليه إضافة خلق وتشريف يعني من باب إضافة المخلوق إلى خالقه عبده، وفائدتها التشريف والتكريم كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ومعنى العبد هنا المملوك العابد، فهو خاص أي مملوك لله تعالى، وليس له من الربوبية والألوهية شيء، وهذا فيه رد على الغلاة الذين بلغوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - منزلة هي أرفع من بشريته عليه الصلاة والسلام، فهو عبد مملوك لله ليس له من خصائص الربوبية ولا من خصائص الألوهية شيء، فمن وصفه بشيء من هذين النوعين خصائص الربوبية أو خصائص الألوهية فقد رفعه عن منزلة العبودية، وهذا مناقض لهذه الشهادة فلم يكن آتيًا بها. إذًا عبده بمعنى أنه عابدٌ لله، مملوك لله، ليس له من خصائص الربوبية ولا من خصائص الألوهية شيء البتة، هذا لا خلاف فيه بين أهل السنة والجماعة. إذا وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيء من خصائص الربوبية أو خصائص الألوهية كما يفعله غلاة الصوفية ونحوهم حينئذ لم يكن محقِّقًا لهذه الشهادة، فيكون قد انتقض عنده إقرار بأن محمد عبد الله، لم يأت بهذه اللفظة على معناها الشرعي، لا بمعنى الهوى الذي يكون عندهم، فليس هو شريكًا مع الله عز وجل، والعبودية الخاصة وصفه، ولذلك جاء في قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] ، ولذلك حملنا عبده هنا على المعنى الخاص وليس المعنى العام ليواطئ ما يكون جاء في سائر النصوص.
فأعلى مراتب العبد العبودية الخاصة والرسالة، ولذلك جمع بينهما هنا ( «عبده ورسوله» ) . إذًا عبده المراد به المملوك العابد فليس محمد - صلى الله عليه وسلم - شريكًا مع الله عز وجل في شيء من خصائص الربوبية ولا خصائص الألوهية، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو عبد مقرب عند الله ورسوله أرسله الله عز وجل كما قال: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] ، {إِنِّي رَسُولُ اللهِ} يعنى مرسل ومبعوث من عند الله عز وجل، رجلٌ أُوحِيَ إليه بشريعة مباينة لشريعة من قبله فحينئذ صار رسولًا وتحقق فيه معنى الرسول، ( «عبده ورسوله» ) رَسُول فَعُول بمعنى مُفْعَل بمعنى مفعول، فهو مُرْسَل، إذًا جمع بين هذين الوصفين لأن أعلى مراتب العبودية أو العبد أعلى مراتب العبد جمعه بين هاتين الصفتين: