-العبودية الخاصة وقد أضافه الله عز وجل إضافة تشريف إليه للدلالة على هذا المعنى.
-ووصفه بكونه مرسلًا من عنده.
وقد جمع بين هاتين الصفتين.
( «عبده ورسوله» ) قال في (( التيسير ) )قدم العبد هنا على الرسول من باب التَّرَقِّي من الأدنى إلى الأعلى. نعم لأن العبد قد يكون عبدًا خاصًّا وليس رسولًا، فكل رسول هو عبد، وليس كل عبد يكون رسولًا، فحينئذ فيه ترقِّي من الأدنى إلى الأعلى، ولو قيل أيضًا كذلك من باب الترقِّي من الأعم إلى الأخص يعنى من حيث الوصف، وصف بالعبودية أعم، والوصف بالرسالة أخص فيكون كذلك تَرَقِّي من الأعم إلى الأخص. ( «ورسوله» ) أي المبعوث بما أُوحِيَ إليه، فالرسول عبد مربوب، وجمع بين هاتين الصفتين التي هما ( «عبده ورسوله» ) لدفع الإفراط والتفريط، انتبه! هذه بنى عليها ( «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» ) . وقدَّم الحديث بقوله: ... ( «من» ) و ( «أدخله» ) جواب الشرط، ينبني عليه أن من أتى بهذه المسائل الخمس على الوجه الشرعي تحقق في شأنه وحقِّه الجواب، ومن تخلف في شأنه الشروط كلها أو بعضها أو جاء بها لا على الوصف الشرعي حينئذ لا يتحقق الجواب، فلا بد من الوقوف مع هذه الألفاظ بالمعاني الشرعية، فمن أرفع للنبي - صلى الله عليه وسلم - خصائص الربوبية انتقض عنده شهادة أن محمدًا رسول الله فلا يكون مسلمًا هذا الأصل، من ارفع للنبي - صلى الله عليه وسلم - خصائص الألوهية انتقض عنده وأن محمدًا رسول الله، إذًا لا يكون مسلمًا ولا يتحقق فيه ( «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» ) لأن الحكم هنا في شأن المسلمين الموحدين وإن كانوا عصاة كما سيأتي في قوله: ( «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» ) إذًا جمع بين هاتين الصفتين ( «عبده ورسوله» ) لمعنى، ليس هكذا عبثًا، وإنما لكل منهما دلالتها الخاصة التي ينبني عليها أصول عند أهل السنة والجماعة لدفع الإفراط والتفريط الذي وقع في شأن عيسى عليه السلام، عيسى عليه السلام وقعت فيه طائفتان:
-طائفة جفت.
-وطائفة غلت.
غَلَت رفعته إلى منزلة الألوهية، وجفت ادعت إلى أنه ولد زنا، ولَمَّا ذُكِرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - مع عيسى دفعًا للإفراط والتفريط في شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نُصَّ على هاتين الصفتين، يعنى فيه تحذير لهذه الأمة من أن تقع فيما وقعت فيه النصارى واليهود مع عيسى عليه السلام، فلئلا يقع شيء من إفراط وتفريط نُصَّ على هاتين الصفتين، فقيل: ( «عبده» ) إذًا عبد هو عابد ليس معبودًا، ورسول ليس مكذبًا، فاليهود كذبت عيسى عليه السلام، حينئذ من كَذَّب النبي - صلى الله عليه وسلم - قد شابه اليهود، ومن غلا في محمد - صلى الله عليه وسلم - وأعطاه من خصائص الربوبية أو الألوهية فقد شابه النصارى. لدفع الإفراط والتفريط الذي وقع في شأن عيسى عليه السلام، وقد أكد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى بقوله:"لا تُطروني كما أطرت النصارى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله". رواه البخاري عن عمر بن الخطاب. ومع هذا فالإفراط في الغلو قولًا وفعلًا قد وقع من كثير ممن يدَّعِي أنه من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فباينوا هذا الشرط، باينوا هذا الشرط يعني خالفوا في مدلول هذا الشرط فلم يأتوا به على الوجه الصحيح، فيكونوا في خطر كبير إذ جاءوا بشرك وذلك فيما إذا وصفوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيء من الربوبية أو الألوهية حينئذ انتفى في شأنهم الإسلام فهم كفار مشركون ولا حظ لهم في الإسلام البتة. ومع هذا فالإفراط بالغلو قولًا وفعلًا قد وقع من كثير ممن يَدَّعِي أنه من أمته عليه الصلاة والسلام حتى جَوَّزُوا الاستغاثة به في جميع ما يُستغاث به الله عز وجل فيه. يعنى سووا بينه وبين الرب جل وعلا فصرفوا إليه أنواعًا من العبادات وأعظمها الدعاء والاستغاثة، فجوزوا دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وسؤاله الشفاعة وسؤاله الجنة، وكذلك عند الملمات وكشف الكربات ونحو ذلك، هذا كله من خصائص الرب جل وعلا، فحينئذ هؤلاء حكمهم الشرعي أنهم مشركون.