فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 2014

وهناك من فَرَّطَ بترك متابعته واعتمد على الآراء المخالفة لِمَا جاء به - صلى الله عليه وسلم -، وتعسف بتأويل أخباره وأحكامه بصرفها عن مدلولها. حينئذ هذا لم يأت بما تقتضيه هذه الشهادة لأن الشهادة لها مُقتضِي ومُقتضَى، اقتضت الشهادة العلم والعمل والصدق أن يكون صادقًا وأن يكون متابعًا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، حينئذ جاء بالشرط لفظًا ولم يأت به من جهة المعنى.

وشهادة أن محمد رسول الله تقتضى الإيمان به، التصديق أنه رسول من عند الله عز وجل، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه زجر، وأن يعظم أمره ونهيه ولا يقدم عليه قول أحد كائنًا من كان، طاعة مطلقة لا يُقَدَّمُ عليه قول أحد البتة، فإذا صحت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحل لأحد أن يتركها لرأى زيد أو عُبِيد، فلا يكون كامل الشهادة له بالرسالة من ترك أمره وأطاع غيره وارتكب نهيه. إذًا وأن محمدًا رسول الله ( «وأنَّ محمدًا عبده ورسوله» ) وهذه شهادة معطوفة على ما سبق واشترطوا فيها ما اشْتُرِطَ فيما سبق.

( «وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه» ) هذا كما قال النووي: فيه مباينة لبعض الملل من اليهود والنصارى، حينئذ لا يكون آتيًا بالشهادتين على الوجه الصحيح إلا إذا لمن أقر بهذا، وهذا إذا كان يخالف بمعنى أن المسلمين مثلًا الآن الموحدين إذا لم يدر عن قول اليهود والنصارى لا يُطالب بمثل هذا النوع، وإنما الشأن فيمن اعتقد مدلول هذه الألفاظ، أو علم فوقف أو شك ونحو ذلك حينئذ لا بد من الإتيان بهذه الشهادة، وأما من لم يدر من المسلمين نشأ في بلاد المسلمين لا يقال له لا بد أن تأتي وتقر بأن عيسى عبد الله ورسوله .. إلى آخره إلا إذا علم بما قالته اليهود والنصارى حينئذ وجب التبري من ذلك، وإن لم يكن حينئذ لا يطالب بذلك وإنما يُطالب به شخصان:

-إما يهودي أسلم أو نصراني أسلم لا بد من اعتقاد ضد ما قد كان عليه من الباطل.

-أو من بلغه ذلك عن اليهود والنصارى فلا بد من التبري.

قوله: ( «وأن عيسى عبد الله ورسوله» ) أي وشهد ( «أن عيسى» ) كذلك معطوف على أن لا إله إلا الله وليس معطوفًا على أن محمدًا، لأن المعطوفات بالواو إنما يكون العطف على الأول لا على الثاني، وكذلك يقال فيه إنه على نية تكرار العامل، فالعامل الأول مكرر في الثاني من جهة المعنى والعمل ومكرر في الثالث من جهة المعنى والعمل دون اللفظ. إذًا وشهد ( «أن عيسى» ) عيسى بن مريم رسول من رسل الله عز وجل من أولي العزم من الرسل، وشهد ( «أن عيسى عبد الله ورسوله» ) كذلك على علم وعمل ويقين وصدق بأنه مملوك لله خلقه من أنثى بلا ذكر كما قال الله تعالى {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] فهو مخلوق وليس جزءًا من الرب جل وعلا كما يقول النصارى قَبَّحَهُمُ الله فليس عيسى ربًّا ولا إِلَهًا ولذلك جاء قوله: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم: 30] هو يقول: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} هم يقولوا: لا أنت إله. نقول: هذا فيه تكذيب حتى لعيسى عليه السلام فإنه لم يدَّعِي لنفسه لا ربوبية ولا شيء من خصائص الربوبية ولم يَدَّعِ لنفسه الألوهية ولا شيئًا من خصائص الألوهية، بل قال: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} فهو نبي يعنى عبد مربوب لا رب وهو متأله لله عز وجل لا إله، وكذلك قال تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ} [النساء: 172] ، {لَّن يَسْتَنكِفَ} ، {لَّن يَسْتَنكِفَ} ولا يستكبر، بل هو يعترف كما ذكرناه عنه سابقًا {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا} .

وقد تطرَّف في عيسى طائفتان - كما ذكرناه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت