الأولى: النصارى قالوا: إنه الله. أو ابن الله. أو ثالث ثلاثة. وجعلوه إله مع الله تعالى، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} [المؤمنون: 91] نفى الولد {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ، {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ} ، {مِن} هنا تأكيد على النفي {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} كذلك {مِن} هنا زائدة لتأكيد النفي، والعموم {إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 91، 92] وهذا فيه أن النصارى مشركون لأنه قال: {فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} وهذا يتعلق بماذا؟ بدعوى النصارى، حينئذ النصارى مشركون، وكذلك اليهود مشركون إذ لا تسلم طائفة من هذه الطوائف ومن الملل من الشرك البتة، وعليه كما قررنا سابقًا أن الكفر والشرك مترادفان في الشرع، فإن كان ثم استعمال أكثر للكفر دون الشرك وللشرك دون الكفر، حينئذ نقول: هما مترادفان، فكل كافر مشرك، وكل مشرك كافر. وهذا اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى مع ما قررناه، وأن الأكثر في الشرك يطلق على شيء معين، والأكثر في الكفر إنما يكون في الجحود، وكل منهما كافر ومشرك من وجه، وهذه حقيقة شرعية مردها إلى الشرع، جاء استعمال الكفر الذي يعنون له عندما فَرَّق بأنه كفر جاء استعمال الشرك فيه. والعكس بالعكس.
والطائفة الثانية: اليهود كذبوه وأنكروا رسالته، وقالوا: إنه ولد بَغِيّ. قبَّحهم الله، وأنه ليس بنبي، وقتلوه شرعًا. قال الشيخ بن عثيمين رحمه الله تعالى في (( القول المفيد ) ): وقتلوه شرعًا. أي محكوم عليهم عند الله أنهم قتلوه في حكم الله الشرعي يعني اعتقدوه دينًا. اعتقدوا أن حكم الله تعالى أنه يقتل لقوله تعالى عنهم: {إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} [النساء: 157] . وأما بالنسبة لحكم الله القدري الواقع الكوني فقد كَذَبُوا {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ} [النساء: 157، 158] ولكن شبه لهم فقتلوا الْمُشَبَّه لهم وصلبوه.
إذًا ثَمَّ حكم شرعي فقد قتلوه بالفعل لأنهم يعتقدون أن حكم الله فيه القتل.
وثَمَّ حكم قدري كوني وهو الواقع الذي يكون في الكون وأنه لم يقتل عليه السلام، بل رفع إلى السماء. فلا يصح إسلام أحد - انتبه هذا معنى شهد وتعليقه بالشرط ثم جواب الشرط - ( «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» ) ما الذي ينبني على هذه الشهادة ( «وأن عيسى عبد الله ورسوله» ) فلا يصح إسلام أحد حتى يتبرأ من قول الطائفتين جميعًا في عيسى عليه السلام، فيشهد أنه عبد الله ورسوله، عبد كما ذكرنا سابقًا أي عابد مملوك لله لا مالك، فليس له من الربوبية ولا من الإلهية شيء فضلًا عن أن يقال بأنه إله. إذا لا يحل ولا يجوز صرف شيء، شيء ولو واحد وإن قل من خصائص الربوبية فصرف الربوبية كلها من باب أولى، وإذا لم يحل صرف شيء من خصائص الألوهية حينئذ وُسْمُهُ بكونه إلهًا من باب أولى وأحرى. فليس له من الربوبية ولا من الإلهية شيء، ورسول صادق من عند الله تعالى، رسول صادق، صادق مصدوق، وأن أمه صدِّيقة كما جاء في النص فإذا كذبوا حينئذ كذبوا القرآن، وأنها قد أحصنت فرجها، قد جاء النص بذلك، حينئذ إذا اتهمها بالزنا فقد كَذَّب القرآن فلا يكون مسلمًا البتة، وأنها عذراء، ولكن {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] ، فقوله: ( «عبد الله ورسوله» ) جمع بين الوصفين، ( «عبد الله ورسوله» ) فيه رد على النصارى، ( «ورسوله» ) رد على اليهود، ( «عبد الله» ) فيه رد على النصارى لأنهم أَلَّهُوه، أو جعلوه ابنًا لله، وإذا كان كذلك ابنا لله فحينئذ حكمه حكم أبيه، إذا كان أبوه إلهًا فأخذ الحكم.
( «ورسوله» ) فيه رد على اليهود لأنهم كذَّبوه وأنكروا رسالته.