( «وكلمته ألقاها إلى مريم» ) ، ( «وكلمته» ) . قوله: ( «وكلمته» ) . يعنى عيسى كلمته، يعني كلمة الله عز وجل، عيسى كلمة الله، سُمِّيَ عيسى عليه السلام كلمة الله لوجوده وصدوره بكلمة {كُن} ، يعنى وُجِدَ وخُلِقَ في هذه الدنيا على هذه البسيطة بكلمة {كُن} ، فكن، قول الله عز وجل، والْمُكَوَّن والْمُوجَد هو عيسى عليه السلام، فكان بكلمة {كُن} ، ولذلك أُطْلِقَ عليه هذا الوصف، سُمِّيَ عيسى كلمة الله لصدوره بكلمة {كُن} أي لوجدوه بقوله: {كُن} بلا أب. قاله قتادة وغيره من السلف. إذًا ( «كلمته» ) هذا فيه إسناد كلمة إلى الرب جل وعلا، لكن كما سيأتي أنه كان بـ {كُن} حينئذ هنا يكون من باب الوصف، الإضافة هنا تقتضي إضافة الموصوف إلى الصفة فتكون وصفًا للربّ جل وعلا، لأن الكلمة {كُن} من قول الله عز وجل، وإذا كان كذلك فهي صفة له سبحانه وليست هي شيئًا مخلوقًا.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: الكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: {كُن} فكان عيسى بـ {كُن} وليس عيسى هو {كُن} . فرق بين {كُن} وبين الْمُكَوَّن بـ {كُن} ، عيسى كان بـ {كُن} ، فـ {كُن} من الله فهي قول، مثل صلّ، وقُم، ثم أنت تقوم فتصلي. إذا الصلاة ليست هي صلّ الأمر، الأمر شيء وكونك تفعل مدلول صلّ شيءٌ آخر، كذلك {كُن} هي من الله عز وجل فليس عيسى هو {كُن} بل هو كائن بـ {كُن} .
فكان عيسى بـ {كُن} وليس عيسى هو {كُن} ، ولكن بـ ... {كُن} كان. فـ {كُن} من الله قول، إذًا هي صفته منه جل وعلا، وليس {كُن} مخلوقًا، لو كان عيسى هو {كُن} حينئذ:
-إما أن يقال بأن عيسى جزء من الله، وقد كذب النصارى في ذلك.
-وإما أن يقال بأن {كُن} مخلوق حينئذ يقتضي كلام الله عز وجل أنه مخلوق.
وكلا المعنيين باطل، بل {كُن} قول من الله عز وجل، ولا علاقة لعيسى به إلا أنه أَثَرٌ لهذا القول، لأن له اقتضاء، فكل صفات الرب جل وعلا لها آثارها، من أثر {كُن} باعتبار عيسى أنه وُجِدَ بهذا اللفظ.
وكَذَبَ النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى. هكذا قال الإمام أحمد، وذلك أن الجهمية قالت: عيسى روح الله وكلمته. في الظاهر وافقوا، لكن في الحقيقة لا، إلا أن الكلمة مخلوقة. عند الجهمية القرآن مخلوق، وكلام الله كله مخلوق، والقرآن أخص من مطلق كلام الله عز وجل، كلام الله أعم والقرآن أخص، الجهمية كلام الله تعالى كله مخلوق، إذًا قال لعيسى كن. إذًا كن مخلوق وعيسى مخلوق.
نقول: هذا باطل.
وقالت النصارى: عيسى روح الله من ذات الله. إذًا كذبوا، لماذا ( «وروح منه» ) . منه. قالوا: يعنى بعضه. ففهموا مِنْ (من) أنها للتبعيض وليس الأمر كذلك، بل هي للابتداء. إلا أن الكلمة مخلوقة. وقالت النصارى: عيسى روح من ذات الله، وكلمة الله من ذات الله كما يقال إن: هذه الخرقة من هذا الثوب.
قلنا نحن - يقول الإمام أحمد: إن عيسى بالكلمة كان، وليس عيسى هو الكلمة. والأمر واضح ولا فيه لبس عند من تَبَصَّرَ.
قوله: ( «ألقاها إلى مريم» ) . ( «ألقاها» ) ، الإلقاء هذا مصدر أَلْقَى يُلْقِي إِلْقَاءً، والإلقاء كما في (( المفردات ) ): طرح الشيء حيث تلقاه. أي تراه ثم صار عرفًا في الحقيقة العرفية يُسَمَّى به كل طرح، كل طرح يُقال ألقاه. ( «ألقاها إلى مريم» ) إذًا ألقاها بمعنى طرحها، وبمعنى وَجَّهَهَا وبمعنى أرسلها، إذ كل منها بمعنى الطرح.
قال ابن كثير في قوله: {أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} [النساء: 171] خلقه بالكلمة. يعني في هذا الموضع من سورة النساء ليس في الحديث، في هذا الموضع من سورة النساء، خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبرائيل عليه السلام إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بأمر الله عز وجل فكان عيسى بإذن الله عز وجل، وصارت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها من هنا فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب الأم والجميع مخلوق لله عز وجل. ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له {كُن} فكان، والروح التي أُرسل بها جبرائيل عليه السلام.
إذًا هذا فيه بيان أن عيسى كان بـ {كُن} ، و {كُن} قول من الله عز وجل، وأن الرب جل وعلا أرسل جبرائيل بتلك الكلمة فنفخ في درعها فحينئذ فكان كاللقاح لمريم عليها السلام حينئذ كان عيسى بهذه الكلمة دون أب، يعنى من أنثى بلا أب.