فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 2014

قوله: ( «وروح منه» ) يعنى ابتداء، (من) هنا ليست للتبعيض وإنما هي للابتداء. قال أُبَيُّ بن كعب: عيسى روح من الأرواح. يعنى مثل غيره من الأرواح، والأرواح معلوم أنها مخلوقة لله عز وجل، وإذا كان عيسى مثل غيره من الأرواح {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران: 59] بمعنى أنه مخلوق لله عز وجل، آدم خُلِقَ من تراب بلا أب ولا أم، كذلك عيسى خلق من تراب وهو أصله روح كما ذكرنا من أم بلا أب. عيسى روح من الأرواح التي خلقها الله تعالى واستنطقها بقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: 172] هذا على التفسير المشهور وهو الصحيح بعثه الله إلى مريم فدخل فيها. رواه ابن جرير وغيره.

وقال الإمام أحمد: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} يكون من أمره كان الروح فيه من أمره كان الروح فيه.

{وَرُوحٌ مِّنْهُ} يعنى من أمره. وهذا واضح بين أن (من) هنا للابتداء على كلام الإمام أحمد وليست للتبعيض، هذا كلام الإمام أحمد. كقوله: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13] يعنى ابتداء وُجِدَتْ بقدرته جل وعلا وحكمة منه ابتداء منه لا أنها بعضه، إذ لم يقل لا اليهود ولا النصارى ولا غيرهم أن هذه المسخرات {مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} أنها بعضه أو جزء من الله تعالى، لم يقل أحد، حينئذ يُفسر المعنى المذكور في قوله: ( «وروح منه» ) بما فُسِّرَ به هذا الموضع، حينئذ وقع اشتباه في قوله ( «منه» ) عندهم، أما عند أهل السنة والجماعة فلا اشتباه، فالمعنى أنه كانت منه، المعنى أنه كائن منه كما أن معنى الآية أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه، أي أنه مكون ذلك وموجده جميعًا منه حينئذ نقول: هو مكون وموجد لهذه المخلوقات، سواء كانت السماوات أو الأرض. أي أنه مكون ذلك وموجده بقدره وحكمته.

قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى مبيِّنًا ما إذا أضاف الله عز وجل شيئًا إلى نفسه. ثَمَّ تفصيل لئلا يقع التباس كما وقع عند اليهود والنصارى ووقع عند الجهمية والمعتزلة ونحوهم، ليس كل ما أضافه الله سبحانه وتعالى إلى نفسه فحينئذ يكون من إضافة المخلوق إلى خالقه، كـ (ناقة الله) ، و (بيت الله) ونحو ذلك، ( «كلمته» ) أضافه إلى نفسه، ( «وروح منه» ) أضافه إلى نفسه، والمراد بالإضافة هنا ليس المضاف والمضاف إليه، المراد مطلق النسبة، فإذا نسب الرب سبحانه جل وعلا شيء إلى نفسه وأضافه إليه مثل ( «كلمته» ) مضاف ومضاف إليه، ( «روح منه» ) ابتداء منه. نقول: هذا كذلك [مضاف] [1] هذا فيه نسبة [نعم] فالإضافة في نحو ( «كلمته» ) ، ( «وروح منه» ) هذه نسبة وإضافة لكنها ليست على الإضافة المعنية عند النحاة.

قال بن تيمية رحمه الله تعالى: المضاف إلى الله تعالى على الجهة التي ذكرناها سابقًا إذا كان معنى لا يقوم بنفسه ولا بغيره من المخلوقات. معنى كالسمع والبصر والكلام لا يقوم بغيره من المخلوقات، فليس هو عينًا قائمةً بنفسها وليس هو وصفًا لمخلوق. من هذه العبارة نأخذ أن الأقسام ثلاثة:

-إما أن يُضيف شيئًا قائمًا بنفسه، مخلوقًا كـ (ناقة الله) مثلًا (ناقة الله) أضافها إلى نفسه، (بيت الله) بيت أضافه إلى نفسه.

-وإما أن يُضيف إلى ذلك المخلوق معنى من المعاني، حينئذ النوع الأول والثاني كل منهما مخلوق ما كان قائمًا بنفسه ناقة الله بيت الله هذا واضح بَيِّن، كذلك إذا وصف هذه المخلوقات بمعانٍ، نقول: حكمها حكم موصوفاتها ما قامت به فهي مخلوقة. يبقى ماذا؟

(1) سبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت