فالحاصل من هذا الحديث: أن الحديث يدل على فضل التوحيد، إذ بين لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فضل التوحيد وشرفه، فمن تكلم بالشهادتين المذكورتين عالِمًا لمعناهما عاملًا لمقتضاهما ظاهرًا وباطنًا وتجنب الإفراط والتفريط في حق النبيين المذكورين وهما محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فأقرّ لهما بالرسالة والعبودية لله، جمع بين الوصفين، وأيقن بالجنة والنار أن مآله إلى الجنة وإن وقع منه دون الشرك وهذا ظاهر النص، لقوله: ( «من شهد» ) يعنى من جاء بهذه الشهادات فحينئذ هما نوعان له فردان، كل منهما يشترك في جنس معين وهو أنه موحد، ثُم الموحد على مرتبتين: موحد خالص لم يحصل منه ذنب، وموحد مخلّط. والنص شمل النوعين لأن ( «أدخله الله الجنة» ) هذا حكم، والمحكوم عليه لفظ عام وله فردان، ويصدق عليه، وهذا هو الظاهر والله أعلم، أن ماله إلي الجنة وإن وقع منه ما دون الشرك.
ومناسبة الحديث للباب واضحة إذ فيه بيان فضل التوحيد، وأنه مقتضٍ للجنة ابتداء وانتهاء، وأنه يكفر للذنوب.
فوائد الحديث التي يمكن أخذها منه:
أولًا: فضل التوحيد وما يكفره من الذنوب.
ثانيًا: سعة فضل الله تعالى. كما قال المصنف في المسائل.
ثالثًا: لا غلو في حق الأنبياء، ومن دونهم من باب أولى، إذا قيل في شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعيسى وهم من أولي العزم من الرسل ( «عبد الله ورسوله» ) . إذًا غيره من الصالحين وفلان وفلان من باب أولى وأحرى، فلا غُلو لا في الأنبياء ولا في غيرهم، ولا جفاء كذلك، لا جفاء يعني لا نجفو الأنبياء فلا إفراط ولا تفريط.
رابعًا: أن الإسلام يخالف جميع الملل الكفرية فلا جمع بين الإسلام واليهودية والنصرانية. وهذا القول بأنه ثَمّ ترابط بين هذه الأديان وأنها أديان سماوية هذا يُعتبر ردة عن الإسلام. فكل منهما مباين للآخر. فلا دين إلا دين الإسلام. وما قد يُقال بالجمع هذه الأديان هذا لا يقوله إلا إنسان مارق من إلا سلام.
خامسًا: فيه أن عصاة الموحدين لا يخلدون في النار خلافًا للمعتزلة والخوارج، إذا قوله: ( «أدخله الله الجنة» ) ضمن نوعي الإدخال:
أولًا: أدخله الله الجنة وإن كان مقصرًا، أليس كذلك؟ كما ذكرنا موحد مخلِّط أدخله الله الجنة وإن كان مقصرًا وله ذنوب لأن الموحد مآله إلى الجنة ولا بد لأنه لا يخلد في النار إلا الكفار.
الثاني: أدخله الله الجنة وتكون منزلته فيها على حسب عمله وهذا إدخال كامل لم يسبق بعذاب لمن أتم العمل أو عفا الله عنه. يعنى الدخول الأوليّ للجنة دون مرور على النار له صورتان:
-إما أنه محقق للتوحيد وليس له ذنب.
-وإما أنه ليس محقِّقًا للتوحيد وعنده ذنوب لكن بفضل التوحيد محى الله عنه تلك الذنوب فدخل ابتداء، وهو ما ذكرناه من مات على معصية ولم يتب حينئذ إما أن يعفو الله عز وجل عنه وإما أن يؤاخذه، وهذا هو المراد بأنه تحت المشيئة، هذا هو المراد. إذًا ليس كل من كان عاصيًا ومات على معصيته دون توبة لا يدخل الجنة ابتداء صحيح ليس كل من مات وهو موحد وعنده معاصي قبل توبته مات حينئذ نقول: لا يدخل دخولًا أوليًّا لا، قد يدخل دخولًا أوليًّا وذلك إذا عفا الله تعالى عنه. فالإدخال الكامل لمن أتم العمل أو عفا الله عنه، والناقص لمن أنقص العمل ولم يعفُ الله تعالى عنه. فالمؤمن إذا غلبت سيئاته حسناته إن شاء الله عذبه بقدر عمله وإن شاء لم يعذبه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
سادسًا: فيه أنه تعالى يعفو عن السيئات قبل التوبة والعقوبة، لِمَا ذكرناه سابقًا لأنه دخل في قوله: ( «من شهد» ) من هو موحد وقد مات على معصية. قال: أدخله الله الجنة ابتداء. إحدى الاحتمالين حينئذ نقول: التوحيد يمحو الله تعالى به السيئات. حينئذ يكون بمنزلة التوبة ولذلك ليست المكفرات للذنوب محصورة في التوبة كما يظن بعض الناس لا، مكفرات الذنوب أوصلها ابن تيمية إلى عشرة منها التوحيد على ما ذُكر في هذا الحديث. إذًا فيه أنه سبحانه وتعالى يعفو عن السيئات قبل التوبة والعقوبة.
سابعًا: في قوله: ( «وأن عيسى عبد الله ورسوله» ) . أن إيمان النصارى مع القول بالتثليث شرك محض لا يخلصهم من النار، وهذا كما ذكرناه فيه إطلاق الشرك عليهم لأن من أدخله الله الجنة من لم يأت بما ذكر أدخله الله النار ليس عندنا إلا جنة أو نار، من حكم الله تعالى عليه بدخول الجنة إذًا لا نار.