من لم يكن آتيًا بهذا المقتضِي حينئذ دخل النار. إذًا النصارى من أهل النار إذا ماتوا على ما هم عليه.
ثامنًا: إضافة الرسولين الكريمين محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام إليه إضافة تشريف تدل على مكانتهما عنده جل وعلا.
هذا اختصار ما يتعلق بالحديث الأول. وذكر حديث آخر نمر عليه مرور لأنه متعلق بما سبق.
قال: (ولهما في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» ) . (ولهما) أي وللبخاري ومسلم في الصحيحين، وهذا الحديث طرف من حديث طويل أخرجه الشيخان.
وعِتْبَان بكسر العين المهملة ابن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاري، من بني سالم بن عوف صحابي مشهور مات في خلافة معاوية.
قوله: ( «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله» ) هذا مقابل لِمَا سبق، إذا قالها أدخله الله الجنة، قد يكون بالمقابل وهو التحريم، إذًا لفظ: ( «فإن الله حرم على النار» ) موازٍ لقول: ( «أدخله الله الجنة» ) . إذًا الحكم واحد أو مختلف؟ الحكم واحد، لماذا؟ لأنه ليس عندنا إلا جنة أو نار، إذا حكم الله بدخول الجنة لزم منه تحريمه على النار، فإذا حرمه على النار لا يدخلها البتة لزم منه أن يدخل الجنة، ليس عندنا وقت واسط، وكلام الأعراف هذا مختص بشيء معين.
إذًا ( «فإن الله حرم على النار» ) يمكن أن يقال تصريح بما يلزم من النص السابق ( «أدخله الله الجنة» ) يلزم منه بدلالة الالتزام أن يُحرم على النار. ( «فإن الله حرم على النار» ) الحرام الممنوع منه، حَرَّم هذا فعل ماضي حَرَّم مأخوذ من الحرام، والحرام هو الممنوع منه إما بتسخير إلهي، وإما بمنع قَهْرِيّ، وإما بمنع من جهة العقل أو من جهة الشرع أو من جهة من يتسم أمره. إذًا هو منع، ويتنوع باختلاف المانع إما شرع أو غيره. وهذه الأقسام التي ذكرها في (( المفردات ) ).
وقوله تعالى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ} [المائدة: 72] فهذا من جهة القهر بالمنع، وكذلك قوله: {إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 50] والمحرم بالشرع كتحريم بيع الطعام متفاضلًا {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} وهذا تحريم بالشرع. وقوله: ( «حرم على النار» ) . أي منع على النار، أو منع النار أن تمسه، ( «فإن الله حرم على النار» ) . أي منع على النار، أو منع النار، إما هذا وإما ذاك، أو منع النار أن تمسه.
قوله: ( «من قال: لا إله إلا الله» ) . وقوله فيها من حيث التقييد كالقول السابق، كالقول فيما سبق ( «شهد» ) أن يكون عالِمًا، لا بد أن يكون صادقًا، لا بد أن يأتي بجميع الشروط المتعلقة بصحة هذه المقولة، فإن لم يأت فحينئذ لا يُحَرّم على النار. من قال: لا إله إلا الله. أي بشروطها، ومنها الشرط المنصوص عليه في هذا الحديث وهو الإخلاص، فهذا الحديث نص على شرط واحد وهو الإخلاص، وكذلك العمل بوجه آخر بشروط ومنها الإخلاص لقوله: ( «يبتغي بذلك وجه الله» ) . يعنى يطلب بذلك أي بذلك القول وهو قول: لا إله إلا الله، وجه الله، أي يطلب بهذا القول إذ أصل البغي [نعم] يبتغي أي يطلب، إذا أصل البغي طلب تجاوز الاقتصاد فيما يُتحرى، تجاوزه أو لم يتجاوزه، فتارة يعتبر في القدر الذي هو الكمية، وتارة يُعتبر في الوصف الذي هو الكيفية، يقال: بَغَيْتُ الشيء إذا طلبت أكثر ما يجب. يعنى فيه حرص، بغيت الشيء إذا طلبت أكثر ما يجب ليس مجرد طلب وإنما تحقيق للمطلوب حينئذ يعبر بهذا التعبير، إذا ( «يبتغي بذلك وجه الله» ) بمعنى أنه اجتهد في الإخلاص وليس المراد مجرد الإخلاص فحسب، بل لا بد أن يأتي به على جهة الكمال، وابتغيت كذلك. إذا ( «يبتغي بذلك» ) أي قول: لا إله إلا الله. ( «وجه الله» ) الوجه معلوم معروف في لسان العرب هو وصف لله عز وجل وهو صفة من صفات الله تعالى الذاتية، نؤمن بها ونثبتها دون تعرض لتكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، فهو موصوف بهذه الصفة وقد أثبتها لنفسه جل وعلا. والمعنى أنه يطلب بقوله ذلك وجه الله، ومن طلب وجهًا فلا بد أن يعمل ما في وسعه للوصول إليه.
إذًا يُؤخذ من حيث التنصيص شرط الإخلاص.