فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 2014

يجمع بين الأمرين، يسأل ربه التوفيق والهداية والتسديد والإعانة على الحفظ، والبركة في الوقت والإخلاص، ويعينه على عدم الانشغال بالعلائق والعوائق ونحو ذلك، هذه كلها طالب العلم في نفسه لا يقوى وحده أن يقف ضدها أو أن يجلب تلك المنافع، وإنما الله عز وجل هو الذي يُعين، فموسى وهو نبي من أولى العزم من الرسل يقول: ( «ربِّ علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به» ) فكيف نحن من باب أولى وأحرى، وهذا جدير بطالب العلم أن يعتني به ولا يقف مع الأسباب، أنا أحفظ، وأنا أفهم، وعندي كتب، وعندي .... إلى آخره فهذه أسباب الوقوف معها دون أن يستشعر بأن المسبب الحقيقيّ هو الله عز وجل هذا كما سيأتي أنه شرك أصغر، وإذا كان طالب العلم يقع في مثل هذه المسائل حينئذ هيهات هيهات أن يتعلم، بل قد يجد في نفسه من الضيق من العلم ومن الحفظ ومن الفهم ما يكون صارفًا له لأنه ليس على معصية فحسب بل هو على معصية هي أكبر من البدع، وأكبر الكبائر، وهو الشرك الأصغر وهو عظيم بعد الشرك الأكبر يأتي مرتبة الشرك الأصغر، إذا كان طالب العلم يعتمد على نفسه في حفظه وفهمه وكأنه مستقل عن ربه جل وعلا نقول: هذا مزلق خطير يحتاج طالب العلم أن يتنبه، وأن يعرف أن هذا قادح في الإخلاص وأن هذا قادح في تحقيق التوكل على الله عز وجل، وأن الله عز وجل هو المعلم الحقيقيّ، وأن الهداية التي هي مفتاح لطلب العلم إنما هي من عند الله عز وجل، هذه لا يملكها حتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكيف حينئذٍ طالب العلم يعتمد على نفسه في مثل هذه المسائل نقول: هذا خدش كبير، ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحقيق هذه المسائل، وأن يعرف أن عبودية القلب أصل أصيل ينطلق منه في حياته العلمية والعملية، ولا ينتظر كما قد يظن البعض أن هذه المسائل إذا صار من العلماء الكبار وحفظ البخاري ومسلم بعد ذلك يكون من المحققين، هذا غلط، هذا من تسويف أو من تسويل الشيطان للعبد، بل أنت مطالب بتحقيق الإخلاص لله عز وجل، وتحقيق الإخلاص لله عز وجل منذ أن تعلم تطهر قلبك من أن يتعلق بأي شيء من هذه العوائق والعلائق، ولذلك أنبه على مثل هذه المسائل لأنها مما تخفى على طالب العلم، يظن أن المنهج هو معرفة ماذا تحفظ؟ وماذا تدرس؟ وماذا تقدم؟ هل هو منظوم أو منثور؟ .. إلى آخره، نعم هذا لا شك أنه من المنهج، لكن أن المنهج الأعظم والأكبر الذي ينبغي العناية به هو تزكية النفس {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10] حينئذ موسى عليه السلام يقول: ( «يا رب، علمني» ) ، إذًا أنت قل: يا رب علمني. ( «شيئًا أذكرك وأدعوك به» ) ، ( «شيئًا» ) هذا يصدق على أقل ما يمكن أن يكون، لكنه أراد به شيئًا مخصوصًا، لأن ( «شيئًا» ) هنا نكرة في سياق الإثبات فلا يعم، حينئذ لا يصدق على القليل ولا على الكثير، وإنما أراد شيئًا معينًا ولذلك وصفه بقوله: ( «أذكرك وأدعوك به» ) . قوله: ( «أذكرك» ) بالرفع، هذا فعل مضارع مرفوع ( «أَذْكُرُكَ» ) بالرفع، وفيه وجهان: قيل خبر لمبتدأٍ محذوف أنا أذكرك به، إذًا هو الجملة خبر لمبتدأٍ محذوف أنا أذكرك، والأحسن أن تُجعل الجملة صفة لـ ( «شيئًا» ) لأن الجمل بعد النكرات صفات، يعنى ( «شيئًا» ) موصوفًا بكونه ذِكْرًا لك، ولا يَهِم طالب العلم في أن ( «أَذْكُرُكَ» ) هنا واقع في جواب الطلب، ( «علمني» ) ، ... ( «أذكرك» ) إن تعلمني أذكرك، إن ما علمتني لا أذكرك، لا، ليس الأمر كذلك، إذا لو كان كذلك لجزم مثل قوله تعالى {قل تعالوا أتل} لأن الفعل إذا كان واقعا في جواب الطلب حينئذ يكون مجزومًا وهنا مرفوع لذلك قلنا بالرفع، إذا كان بالرفع حينئذ لا يمكن أن يكون جوابًا للطلب ( «علمني» ) ، ( «أذكرك» ) ، ( «علمني» ) ، ( «أذكرك» ) لو كانت الرواية بالجزم حينئذ تخرج على محمل صحيح، إذا ( «أذكرك» ) بالرفع وفيه وجهان:

-خبر لمبتدأٍ محذوف، أي أنا أذكرك.

-أو صفة لـ ( «شيئًا» ) ، ( «وأدعوك» ) معطوفٌ عليه، فليس ... ( «أذكرُك» ) جوابًا للطلب بل هو صفة لشيء، إذ لو كان جواب الطلب لَجُزِم كما هو المعلوم من قواعد العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت