قوله: ( «أذكرك» ) أي أثنى عليك به وأحمدك به، وعطف في ... (( التيسير ) )أحمدك على أُثنى عليك لأن بعض أهل العلم لا يرون أن الحمد هو الثناء بل هو أعم من ذلك، وأدعوك أي أتوسل به إليك إذا دعوتك، يعنى كما تقول: يا غفور اغفر لي. هنا توسل باسمه الغفور، هذا الذي أراده موسى أن يجعله سؤالًا فيسأل الله عز وجل به كما يُسأل بالعمل الصالح ويسأل بالذكر ونحو ذلك، فموسى عليه السلام سأل ربه شيئًا يجتمع فيه الأمران، أُثْنِي عليك به وأحمدك وأسألك به. ( «أذكرك وأدعوك» ) . إذًا شيئًا وصفه بصفتين لكن من جهة الإعراب تعرب الجملة الأولى صفة، والثانية معطوفة عليها، فهما أمران: ذكر الله تعالى، ودعاؤه به.
( «قال» ) الله عز وجل ( «قال: [قل ح] يا موسى» ) فيه إثبات صفة الكلام لله عز وجل، ( «قال: [قل ح] يا موسى» ) والقول مرادف للكلام في مثل هذا المقام، وهو متضمن لشيئين لفظًا ومعنى، فقول الله عز وجل هو كلامه، وهو لفظ مسماه اللفظ والمعنى معًا، يعنى كلمة قول وكلمة كلام لفظ مسماه اللفظ والمعنى معًا ليس اللفظ وحده دون المعنى ولا المعنى دون اللفظ كما هو عقيدة أهل السنة والجماعة. ( «قل يا موسى ... لا إله إلا الله» ) ، ( «قل يا موسى» ) كذلك ( «يا موسى» ) هذا نداء وهو أخص من مطلق الكلام، فيوصف الرب جل وعلا بكونه متكلمًا أنه متصف بصفة الكلام، والكلام أنواع منه نداء، ومنه مناجاة، ومنه أمر، ومنه نهي .. إلى آخره كما هو الشأن في أساليب العرب، ولذلك نقول: كلام الله عز وجل منه ما هو خبر ومنه ما هو إنشاء، وهو موافق لما جاء في لسان العرب، ومنه ما هو نداء، النداء من الإنشاء، فقوله: ( «يا موسى» ) ، {يَا إِبْرَاهِيمُ} ، هذا كله يعتبر نداءً، وهو نوع من أنواع كلام الرب جل وعلا.
( «قل يا موسى» ) ، ( «قل» ) ماذا؟ ( «لا إله إلا الله» ) . ( «علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به» ) . ( «قال: قل يا موسى لا إله إلا الله» ) أجاب دعاءه وهو أنه علمه شيئًا وهذا الشيء متضمن لأمرين: الذكر، والدعاء. أي فإذا قلت هذه الجملة ( «لا إله إلا الله» ) فقد دعوتني وأثنيت عليَّ، فإن الدعاء نوعان - كما هو معلوم:
-دعاء عبادة.
-ودعاء مسألة.
ودعاء العبادة نحو لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، هذه كلها تُعتبر دعاء عبادة، يعنى يتعبد الله عز وجل بهذا اللفظ، وهو مستلزم لدعاء المسألة لأنه إنما يقول: سبحان الله طالبًا من الله عز وجل رضوانه والوصول إلى جنته، ويقول كذلك: الحمد لله، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، هذا ذكر، وهو متضمن لدعاء المسألة، لأنه ما من عبادة سواء كانت بالمقال أو بالحال إلا وهو يدعو يعنى يسأل ربه بلسان حاله بأن يرضى عنه، وبأن يدخله الجنة، حينئذ [كل ذِكرٍ يكون متضمنًا لدعاء] [1] كل دعاء عبادة وهو مستلزم لدعاء المسألة لأنه بفعل العبادة يسأل ربه، إذا قام يصلي قد لا يدعو بلسانه يأتي بالوارد المشروع فحسب لكنه بكونه يصلي يقوم ويقعد ويسجد ويركع إلى آخره نقول: قد سأل ربه رضوانه. كيف سأل ربه رضوانه؟ نقول: بكونه قد صلَّى، لأنه إنما عبد ربه من أجل تحقيق هذه الغاية.
إذًا دعاء العبادة نحو: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله. وهو مستلزم لدعاء المسألة.
ودعاء المسألة نحو قولك: ربّ اغفر لي. تسأل سؤال تدعو الله عز وجل: يا غفور اغفر لي، يا عليم، يا حكيم .. إلى آخره فتذكر حاجتك، وهو متضمن لدعاء العبادة، وذلك أنه مأمور بهذا فإذا فعله فهو فاعل عبادة.
إذًا عندنا الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة.
(1) سبق.