دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، ودعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، لأن كل عبادة يفعلها فهو سائل ربه رضوانه وجنته، وكل دعاء ذكر حينئذ هو متضمن لدعاء العبادة، فأجابه الله تعالى بقوله: ( «قل» ) ( «لا إله إلا الله» ) وهذه الجملة اشتملت على الأمرين، بل على أعلى الأمرين وأولى الأمرين، فهي ذكر متضمن للدعاء ( «لا إله إلا الله» ) ذكر مثل: سبحان الله، والحمد لله، فهي ذكر متضمن للدعاء لأن الذاكر يريد بها رضوان الله عز وجل والوصول إلى كرامته، و ( «لا إله إلا الله» ) أفضل الذكر وأعظمه معنى يعنى من جهة اللفظ هي أعظم الذكر، لماذا؟ لكونها كلمة التوحيد، وهي العروة الوثقى، وهي كلمة التقوى، وكلمة الإخلاص، ومن أجلها خلقت السماوات والأرض، وجردت السيوف .. إلى آخر ما ذُكِر في فضل هذه الكلمة، وأعظمه معنى لأنها مشتملة على ماذا؟ على أعلى وأرفع مأمور به وهو توحيد الله عز وجل، فـ ( «لا إله إلا الله» ) معناها لا معبود بحق إلا الله عز وجل، فـ ( «لا إله إلا الله» ) أفضل الذكر وأعظمه من جهة المعنى.
وفيه يعنى في قوله: ( «قل يا موسى لا إله إلا الله» ) علمه كيف يذكره بهذه الجملة، فحينئذ إذا اختصرها مختصر كما هو الشأن بعض المبتدعة الله - الله - الله نقول: هذا باطل، لأنه لو كان كذلك لاختصرها الله عز وجل لموسى وخصّه بها، لكن لَمَّا قال له: ( «قل يا موسى لا إله إلا الله» ) علمنا أنه لا اختصار لهذه الكلمة، لا بـ (هو) ولا بلفظ (الله - الله) حينئذ إذا فُعِلَ أحد هذين الأمرين فهو بدعة وحَدَثٌ في الدين كما يفعل جُهّال الصوفية.
وفيها أن الذاكر بها يقولها كلها ولا يقتصر على لفظ الجلالة كما يفعله جهال المتصوفة، ولا يقول أيضًا هو - هو أو هو كما يقوله غلاة جهالهم فإنه بدعة وضلالة. فلما قال الله عز وجل لموسى علمه الشيء الذي أراده ( «قل يا موسى لا إله إلا الله» ) قال موسى: ( «يا ربِّ كل عبادك يقولون هذا» ) التوحيد هذا موجود في موسى وهو نبي ورسول، وفيمن أمن بموسى عليه السلام حينئذ قوله: ( «لا إله إلا الله» ) استوى فيه موسى وغيره ممن آمن به، موسى أراد شيئًا خاصًّا به ولذلك لَمَّا قال له: قل ( «لا إله إلا الله» ) كأنه جعل هذا اللفظ ليس خاصًّا به وهو كذلك، واشترك معه غيره وقد سأل سؤالًا خاصًّا حينئذ كأنه لم يُجَب إلى ما طلبه من الله عز وجل، فقال: ( «يا رب كل عبادك يقولون هذا» ) والمراد بالعباد هنا المؤمنون الموحدون، وليس المراد العباد مطلقًا عبودية القهر، لا، والكلية حينئذ غير مرادة، يعنى ليست على ظاهرها ( «كل عبادك» ) أي الموحدين. ( «قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا» ) أي عبادك الموحدون وليست الكلية على بابها. قال في (( التيسير ) ): هكذا ثبت بخط المصنف ( «يقولون» ) ، ( «كل عبادك يقولون» ) ، وفي بعض الروايات: «يقول» بالإفراد ولا إشكال، إن ثبت الجمع حينئذ يكون على معنى كل، لأن كل من صيغ العموم فيدخل تحتها ما لا ينحصر من الأفراد، وإذا كان بلفظ: «يقول» . حينئذ أُرْجِع الضمير إلى لفظ ( «كل» ) فلفظ ( «كل» ) مفرد ويعاد عليه الضمير بالإفراد «كل عبدك يقول هذا» ، ولفظ ( «كل» ) مصدقه من جهة المعنى آحاد لأنه من صيغ العموم، حينئذ إذا أرجع إليه الضمير يصح إرجاعه إلى المعنى، وهذا عام ليس في لفظ (كل) فحسب، كل صيغ العموم، ولذلك سبق معنا مثال جمع فيه الرب جل وعلا الأمرين: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم} [البقرة: 8] . قال: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ} ما قال يقولون، لماذا؟ لعود الضمير على لفظ {من} وهي من صيغ العموم، ثم قال في خاتمة الآية {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} ، {وَمَا هُم} ارجع الضمير هنا بالجمع، وهذا جائز وسائغ في لسان العرب، وإذا جاء القرآن به فهو أعلى الدرجات في الفصاحة والبلاغة.