فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 2014

إذًا الحكم عام في (إن) ، و (أن) ، و (لكن) ، فإذا عُطِفَ على اسمها المذكور حينئذ يجب النصب عند الجمهور ولا يجوز الرفع، فإن سُمِعَ الرفع قالوا بتخريجه (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ) إن الله يصلون خبر، {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ} [الأحزاب: 56] هذا جعل الجادة أنه عطف على اسم (إن) قبل الخبر، ولكنه جاء بالنصب فلا إشكال، ولا يجوز غيره عند الجمهور، وأما إذا جاء الرفع (وَمَلَائِكَتُهُ) معطوفة على ماذا؟ معطوف على المنصوب منصوب وهذا مرفوع، حينئذ لا بد من تخريجه، فالجمهور على أنه يتعين النصب فتقول: إن زيد وعمرًا قائمان، وأجاز بعضهم الرفع، ونقل عن الكسائي وغيره. إذًا «والأرضون» نقول: هذه النسخة إن ثبت الرواية فتخرج، وإن كانت من باب التصحيف حينئذ نقول: هذه الطباعة لا يلتفت إليها.

( «في كِفّة» ) بكسر الكاف وتشديد الفاء، أي وُضِعْنَ في كِفَّة الميزان، وفي (( المفردات ) ): وكِفّة الميزان تشبيه بالكف، في كفها ما يوزن بها، كِفَّة هذا فيه تشبيه بالكف، كف اليد، في كفها ما يوزن بها.

وقوله: ( «ولا إله إلا الله في كفة» ) ، ( «لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله الله في كفة» ) يعنى في كفة أخري لا بد من التقدير، لأن الميزان له كفتان، كفة وضعت فيها السماوات السبع والأرضون السبع، وكفة وضعت فيها لا إله إلا الله، إذًا ( «في كفة» ) يعنى في كفة أخري من الميزان، وفيه إثبات الميزان، وأنه حق {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47] ، وأن له كفتين إحداهما للحسنات والأخرى للسيئات. وهذا محل إجماع بين السلف خلافًا لمن أنكره من أهل البدع.

( «مالت بهن» ) أي رجحت بهن، ( «مالت بهن» ) لا إله إلا الله يعني رجحت بهن لا إله إلا الله. والأصل مال ميلًا وميلانًا زال عن استوائه، أي لو أن السماوات السبع ومن فيهن من العمار غير الله تعالى، والأرضين السبع ومن فيهن وضعوا في كفة الميزان، ولا إله إلا الله في الكفة الأخرى، ... ( «مالت بهن لا إله إلا الله» ) ، وهذا يدل على ماذا؟ على عظم شأن هذه الكلمة، وعلى كونها راجحة، وذلك لما اشتملت عليه من نفي الشرك وتوحيد الله عز وجل الذي هو أفضل الأعمال وأساس الملة والدين.

وهذا فيمن قالها صادقًا، فيمن قالها بإخلاص ويقين، لأنه كما مر معنا في الدرس السابق وهذا يأتي توكيده إن شاء الله في محله أن كل نص أُطْلِقَ فيه قول لا إله إلا الله ورتب عليه ثواب في الدنيا أو في الآخرة إنما هو مقيد بمن أتى بشروطها وعمل بقتضاها ولم يأت بمانع من موانعها، يعنى ليست هكذا مطلقة، كل من قال لا إله إلا الله نال هذا الثواب، لا، لا بد أن يأتي بشروطها السبعة الآتية في (باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله) وأن يعمل بمقتضاها، أما مجرد قولها باللسان هذا لا يكفي، وهذا قول المرجئة، وهو أنه يُشترط بذلك الاعتقاد مع القول دون أن يُنظر إلى العمل فليس العمل داخلًا في مسمى الإيمان والتوحيد، فمن قالها بإخلاص ويقين وعمل بمقتضاها ولوازمها واستقام على ذلك فهذه الحسنة حينئذ مع ما ذكر لا يوازنها شيء البتة حينئذ ترجح بالسماوات السبع والأراضين السبع.

وقوله: ( «غيري» ) . استثنى الرب جل وعلا نفسه، استثنى نفسه تبارك وتعالى لأنه العلي الأعلى تعالى وتَقَدّس، وهو العلى العظيم: علو القهر، وعلو القدر، وعلو الذات. بأنواعه الثلاثة عند أهل السنة والجماعة، العظيم الذي لا أعظم منه، الكبير الذي لا أكبر منه.

فقول: ( «لا إله إلا الله» ) ثناء عليه، على الرب جل وعلا، وأيهما أعظم الثناء أم المثنى عليه؟

الثاني، لا شك، لا إله إلا الله ثناء على الرب جل وعلا، والمثنى عليه أعظم من هذا الثناء.

ونَبَّه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في شرحه النفيس بقوله: كون الله تعالى في السماء ليس ككون الملائكة في السماء لأن الملائكة عُمّار للسماء. وهنا قال: ( «غيري» ) حينئذ المستثنى هنا في الأصل أنه متصل من حيث المعنى، لكن ثَمَّ فرقًا بين كون الرب جل وعلا عامرًا للسماوات، وبين كون الملائكة عامرة للسماوات، فرق بينهما كما هو الفرق بين الخالق والمخلوق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت