فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 2014

(كون الله تعالى في السماء ليس ككون الملائكة في السماء، فكون الملائكة في السماء كوني حاجي) . بمعنى أنهم محتاجون ومفتقرون لهذه السماء، فهم ساكنون في السماء لاحتياجهم إلى السماء فهي أمكنة مقلة للملائكة وما فوقهم منها مظل لهم. يعنى تقلهم ترفعهم، لولا هذه السماء لسقط كما هو الشأن الآن في هذا الكرسي، فالإنسان محتاج لما هو تحته هذا الشأن في الملائكة مع السماء، فهي مظله لهم ومقلة لهم، يعنى ترفعهم. أما بالنسبة إلى الله تعالى فهي جهة السماء يعنى في العلو هكذا فسره أهل السنة والجماعة، لأنه سبحانه مستوى على عرشه لا يقله شيء من خلقه، ولا يظله، ولا يحيط به. ولذلك يفسر قوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} [الملك: 16] ءأمنتم من على السماء، فـ {في} هنا بمعنى (على) أو {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} يعنى من في العلو وليس المراد أنه في السماء وأن السماء محيطة به، هذه السماء مخلوقة، والمخلوق لا يحيط بالخالق. ودل الحديث على أن لا إله إلا الله أفضل الذكر لحديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيين من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» . رواه أحمد والترمذي. أحاديث كثيرة تدل على فضل هذه الكلمة العظيمة، وذلك لما اشتملت عليه من توحيد الرب جل وعلا إثبات الوحدانية لله جل وعلا ونفي الشريك مطلقًا.

وعنه أيضًا مرفوعًا حديث البطاقة وهو حديث عظيم «يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل منها مد البصر، ثم يقال له: أتنكر من هذا شيئًا» ؟ تسعة وتسعون كلها ذنوب ومعاصي وخطايا «أتنكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا يا رب. فيقال: ألك عذر أو حسنة» . فيهاب الرجل من شدة الموقف فيقول: ... «لا» ليست له حسنة «فيقال: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» . فيها هذه هي الحسنة العظيم وهى حسنة لا إله إلا الله. ... «فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات» ؟ يعنى يتعاظم الأمر تسعة وتسعين سجل مع بطاقة فيها لا إله إلا الله بالإدراك الحسي القاصر البشري أن ثَمّ مفارقة بين النوعين. «فيقال: إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» . رواه الترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. وقال الذهبي: صحيح.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب فتكون صورة العمل واحدة. وهذا أمر يحتاج إلى وقفة معه. الأعمال يعنى بين الخلق، بل حتى بين الإنسان نفسه لا تتفاضل بصورها وعددها، كم قرأت؟ وكم حفظت؟ وكم صليت؟ وكم تصدقت؟ وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العمل واحدة وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض. وفي موضع آخر قال: قد يُصلي الشخص بجوار شخص آخر وبينهما كما بين السماء والأرض. يضع قدمه في قدمه وذاك خاشع وآخر لاهٍ.

قال رحمه الله: تأمل حديث البطاقة التي توضع في كفه، ويقابلها تسع وتسعون سجلًا، كل سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة وتطيش السجلات فلا يعذب. ومعلوم أن كل موحد له هذه البطاقة، كل مسلم له هذه البطاقة، ومع ذلك صح بل أجمع أهل العلم على أن من الموحدين من يدخل النار.

إذًا هذه البطاقة لم تنفعه، وليس الحديث مطلقًا في كل شخص، ليس في كل موحد، وإنما هو في نوع خاص قد قام بقلبه مقتضى لا إله إلا الله من حيث تحقق الشروط وانتفاء الموانع، ومعلوم أن كل موحد له هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه.

وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: ليس كل من تكلم بالشهادتين كان بهذه المثابة. نعم لا بد من التقييد، يعنى هذه البطاقة التي فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، كما ترى في الحديث مطلقة، بمجرد القول نقول: لا، ليس الأمر كذلك لا بد من تقيديها، ( «لا تشرك بي شيئًا» ) ، ... ( «يبتغى بذلك وجه الله» ) «صادقًا من قلبه» ، «خالصًا من قلبه» ، لا بد أن نأتي بهذه القيود، وأما لوحدها حينئذ نقول: ثبت أن بعض الموحدين ممن قالوا لا إله إلا الله ودخلوا النار، كيف نجمع بين هذا وذاك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت