نقول: أولئك لم يقم بقلوبهم مثل ما قام بقلب ذاك صاحب البطاقة.
قال ابن تيمية: ليس كل من تكلم بالشهادتين كان بهذه المثابة، لأن هذا العبد صاحب البطاقة كان في قلبه من التوحيد واليقين والإخلاص ما أوجب أن عَظُمَ قدره حتى صار راجحًا على هذه السيئات. لا بد من هذا القول، وإلا لاستوى كل من قال لا إله إلا الله ومع ذلك أجمع أهل العلم على أن بعض أصحاب الكبائر وهم من الموحدين، وهم ممن لهم هذه البطاقة يدخلوا النار.
إذًا لم تطش السجلات بهذه البطاقة، والفرق بينهما أن ذاك أتى بالتوحيد من جهة الأعمال القلبية على وجه الكمال وذاك عنده نقص.
( «مالت بهن لا إله إلا الله» ) . قال المصنف: (رواه ابن حبان والحاكم وصححه)
ابن حبان هو محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ أبو حاتم التميمي البستي الحافظ صاحب التصانيف الصحيح والثقات وغيرها، مات سنه أربع وخمسين وثلاثمائة.
وأما الحاكم فاسمه محمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري أبو عبد الله الحافظ، ويعرف بابن الْبَيِّع. صاحب (( المستدرك ) )، مات سنة خمس وأربعمائة. (وصححه) يعنى حكم بماذا؟ بصحته يعنى قال: هو حديث صحيح يعنى ثابت على شرط الشيخين.
إذًا هذا الحديث مناسبته للباب واضحة بينة، والباب هو (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) .
حينئذ في هذا الحديث باب فضل كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وأنه لا يعادلها شيء البتة.
وفي الحديث كذلك من الفوائد: عظم هذا الفضل. فضل عظيم لما تضمنته من التوحيد والإخلاص، لا بد من التقييد.
ثانيًا: فضل موسى عليه السلام، وحرصه على التقرب إلى الله بطلب شيء يخصه دون غيره من الناس، أراد شيئًا يخصه.
ثالثًا: قد يؤخذ منها - نص بعضهم على ذلك - أن العبادات توقيفية لأنه ما جاء بشيء من قبل نفسه، وإنما دعا ربه أراد ذكره يختص به موسى فلجاء إلى الله عز وجل إلى المعبود بحق فقال: ( «علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به» ) . إذا ما استحسن شيئا من عند نفسه، فدل ذلك على أن الأذكار ونحوها مما هو موقوف على الوحي.
رابعًا: قال في (( التيسير ) )وكذلك في (( الفتح ) ): ولما كان بالناس بل بالعالم كله - من الضرورة إلى لا إله إلا الله ما لا نهاية للضرورة فوقه كان من أكثر الأذكار وجودًا، وأيسرها حصولًا، فكلما اشتدت الحاجة إلى شيء كان أسهل، كلما اشتدت الحاجة إلى شيء ما، يعنى حاجة المكلَّفين يعنى حاجة الناس كان أيسر وأكثر حصولًا.
خامسًا: أن الله تعالى فوق السماوات، لقوله: ( «وعامرهن غيري» ) والفوقية ثابتة بإجماع أهل السنة والجماعة.
سادسًا: لا بد في الذكر بهذه الكلمة من التلفظ بها كاملة، ولا يقتصر على لفظ الجلالة كما يفعله بعض المبتدعة ولا على لفظ (هو) .
سابعًا: إثبات ميزان الأعمال وأنه حق.
ثامنًا: أن الأرضين سبع كالسماوات. وهذا سيأتى شيء في المسائل.
ثم قال: (وللترمذي) هذا هو الحديث الرابع والأخير في هذا الباب، (وللترمذي) وهو محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي أبو عيسى صاحب الجامع وأحد الحفاظ، مات سنة تسع وسبعين ومائتين. (وللترمذي وحسنه) يعنى حكم بحسنه على اصطلاحه الخاص به، وهو له اصطلاح خاص حيث قال في آخر جامعه: أردت بالحسن ما لا يكون في سنده متهم بالكذب، ولا يكون شاذًّا، ويروى من غير وجه. وقد حكم بعضهم بأن الحسن عند الترمذي بهذا الاصطلاح هو المعنون له عند المتأخرين بالحسن لغيره لأنه هو الذي يقال فيه: بأنه يروى من غير وجه.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: الحسن في اصطلاحه ما روى من وجهين - ضمن الوجهين - ولا يشترط تعدد الطرق إلا إذا كان ثَمَّ ضعف في إحدى الطرق. ما روى من وجهين وليس في رواته من هو متهم بالكذب ولا شاك ولا مخالف للأحاديث الصحيحة. على كل ثَمَّ بحث طويل عند أرباب المصطلح على إرادة الترمذي رحمه الله تعالى بالتحسين وغيره.