فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 2014

( «قال الله تعالى» ) هذا ما يسمى بالحديث القدسي عند أهل الحديث، الحديث القدسي وهو ما رفعه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه، إذا قال: ( «قال الله تعالى» ) حينئذ نقول هذا حديث قدسي، وثَمَّ خلاف طويل عريض عند أهل الحديث هل المذكور في النص هو من قول الله عز وجل لفظًا ومعنى، أو معنى والنبي - صلى الله عليه وسلم - عَبَّرَ عنه بلفظه؟ قولان لأهل العلم، وظاهر الإسناد ( «قال الله تعالى» ) أنه بلفظه ومعناه، هذا هو الظاهر، وكونه قد يحصل فيه من جهة الزيادة والنقص، نقول: هذا مفارق للقرآن، قول الله عز وجل منه ما تكفل بحفظه وهو القرآن، وأما الأحاديث القدسية فلو سُلِّمَ أو على القول الظاهر - والله أعلم - أنه بلفظها ومعناها نقول: لم يتكفل الله عز وجل بحفظها، فلا إشكال بأن يقال ثم تخالف بين الروايات، هذا يزيد وهذا ينقص، والروايات مختلفة، والكلمات متقاربة نقول: هذا لا إشكال فيه، لا يعترض عليه. لأن ظاهر الإسناد النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( «قال الله تعالى» ) . ونحن نقول: هذا معنى لا لفظًا هذا يحتاج إلى دليل واضح بين، والظاهر - والله أعلم - أنه باللفظ والمعنى.

ويجاب عن ما أشكل على بعض أهل العلم لو كان من قول الله عز وجل لكان محفوظًا؟ نقول: لا، ليس الأمر كذلك، ما تكفل الله بحفظه هو القرآن، وما رُوِي من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه قول الله عز وجل نقول: لم يرد أن الله تكفل بهذا القول، مع كونه قولًا له، ولذلك ثَمَّ فوارق بين الحديث القدسي والقرآن موجودة في محالها. وذكر الشيخ بن عثيمين كلامًا طويلًا في هذه المسألة إلا أنه رجح القول الثاني وهو أنه معنى لا لفظًا، وظاهر النص والله أعلم العكس، وهو أنه قول الله عز وجل لفظًا ومعنى. والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه

وسلم ( «قال الله تعالى» ) والقول: لفظ مسماه اللفظ والمعنى. فحينئذ تخصيصه بالمعنى دون اللفظ يحتاج إلى دليل واضح بَيِّن، وليس عندنا دليل واضح بَيِّن، والله أعلم.

قوله: ( «قال الله تعالى: يا بن آدم» ) هذا نداء، وهو أخص من مطلق القول. و ( «ابن آدم» ) هذا عام ( «لو أتيتني بقراب الأرض» ) ، ( «لو» ) هنا للتعليق في المستقبل فهي بمعنى (إن) الشرطية، للتعليق في المستقبل، ( «لو» ) الأصل في الغالب في الكثير في لسان العرب أنها امتناعية، لو جاء زيد لأكرمته. امتنع هذا لامتناع ذاك. لكن قد تخرج عن ذلك وتكون بمعنى أو بمنزلة (إن) الشرطية التي فيه ترتب الجواب على شرطه، وهنا في هذا الموضع كذلك ليس عندنا امتناع ( «لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني» ) بهذا الشرط ( «لأتيتك بقرابها مغفرة» ) ليس هو كالشأن فيما إذا منع لو جاء زيد لأكرمته، لكنه لم يأت فلم يقع الإكرام. نقول: لا، هذا الأمر يختلف هنا، فـ ( «لو» ) هنا للتعليق في المستقبل فهي بمعنى (إن) فتدل على ماذا؟ تدل على تعليق حصول جوابها على حصول شرطها، بمعنى أنها تدل على أنه متى حصل الشرط حصل الجواب، إن جاء بقراب الأرض خطايا بهذا الشرط لا تشرك بي شيئا لأتيتك، إذا يحصل الجواب لحصول الشرط، كما أن (إن) الشرطية كذلك، والفرق بينهما أن (لو) لا تجزم بخلاف (إن) الشرطية فهي جازمة، وفي هذه الحال لا يقع بعد (لو) إلا الفعل المستقبل في اللفظ والمعنى جميعًا، أو الفعل المستقبل في المعنى دون اللفظ. كقوله تعالى {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ} [النساء: 9] ، بأن يكون ماضيًا مؤولًا بالمضارع، ومنه حديثنا في هذا الباب (لو أتيت) هذا الماضي بمعنى المستقبل، (لو تأتينا) لأن الكلام متى يكون؟ في المستقبل، متى؟ يوم القيامة. إذًا ( «لو أتيتني» ) ليس في الماضي وإنما يكون في المستقبل، وإن كان الأكثر استعمالًا في لسان العرب هو أن تكون (لو) امتناعية، وأما استعمالها بمعنى إن الشرطية فهو إن كان قليلًا بالنسبة للأول لكنه فصيح مقبول، وهو مراد بن مالك رحمه الله تعالى بقوله:

لَوْ حَرْفُ شَرْطٍ فِي مُضِي وَيَقِلّ ... إِيْلاؤهُ مُسْتَقْبَلا لَكِن قُبِل

يعنى يقل مجيء (لو) الشرطية مرادفة لـ (إن) الشرطية في الدلالة على تعليق حصول الجواب بحصول الشرط، حينئذ يشترط في الفعل الذي يليها كما ذكرناه سابقًا، الفعل:

-إما أن يكون مضارعًا لفظًا ومعنى.

-أو ماضيًا لفظًا مضارعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت