فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 2014

معنى ومع قلته فهو وراد في فصيح اللسان ولذلك قبله النحاة ( «لو أتيتني» ) الإتيان مجي شيء بسهولة، مجيء بسهولة، ويقال للمجيء، يعنى المجيء والإتيان بمعنى واحد، ويطلق الإتيان إتيان الشيء في الخير وفي الشر، أتى يُطلق في الخير ويُطلق في الشر، يقال: أتيت الأمرَ تعدَّى بنفسه، أتيت الأمرَ، وأتاني الأمرُ، ويقال: أتيته بكذا، وآتيته بكذا، أتيته وآتيته همزة ثانية. قال تعالى: {فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ} [النمل: 37] ، ( «لو أتيتني بقراب» ) إذًا أتى يتعدَّى بنفسه ويتعدَّى بالباء. {فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا} ، {وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ} [التوبة: 54] تعدَّى بنفسه {إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى} ، {يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} [النساء: 15] ، {وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} ... [النساء: 54] .

إذًا مجيئه بالباء هنا لا يُستشكل ( «يا بن آدم لو أتيتني بقراب» ) نقول: الباء هنا على أصلها. والقراب قال في (( المفردات ) ): بالكسر القِراب، قِراب، المقاربة. قال الشاعر:

فإن قِراب البطن يكفيك ملئه ... وقدح القِربان قرييب من الملء

والقُراب القريب. إذا فيه لغتان، الكسر والضم. قال في (( التيسير ) ): قُراب الأرض بضم القاف، وقيل بكسرها، والضم أشهر. يعنى من الكسر، وهو المراد بقراب الأرض ملؤها، يعنى ملء الأرض أو ما يُقارب ملئها، وزاد بعضهم أو ثقلًا أو حجمًا، والأكثر على الملء.

الخطايا ( «لو أتيتني بقراب الأرض خطايا» ) جمع خطيئة مأخوذ من الخطأ والعدول عن الجهة، الخطايا هي الذنوب، والذنوب هي الخطايا، ويجمع كذلك على خطيئات {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} [نوح: 25] إذًا يجمع على خطايا ويجمع على خطيئات، كما في الحديث الذي معنا، والخطيئة والسيئة متقاربان، الخطيئة والسيئة يتقاربان وقوله تعالى: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا} [النساء: 112] فَرَّق بينهما لذلك قلنا: الخطيئة والسيئة يتقاربان، قد يجتمعان فيراد بكل واحد معنى زائد عن الآخر، وإذا افترقا حينئذ دخل كل منهما في الآخر، وهذه الألفاظ التكفير والمغفرة كالإسلام والإيمان إذا اجتمعت اختلفت، وإذا افترقت حينئذ تداخلت، كل منهما بمعنى الآخر.

الخطايا بمعنى الذنوب، طيب {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا} فالخطيئة هنا في هذا التركيب هي التي لا تكون عن قصد إلى فعله {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} ، {إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا} [الشعراء: 51] جاء الجمع بالصيغتين، {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} . إذًا جاء بالإفراد، والخاطئ هو القاصد للذنب.

( «ثم لقيتني» ) ثم للترتيب، وفيه إثبات المعاد والبعث والحساب ( «ثم» ) إذًا هناك حياة تعيش ثم تموت ثم قبر ثم بعد ذلك يأتيك النشور والبعث والحساب، ففي ( «ثم» ) دلالة على ماذا؟ على الحياة البرزخية، ومثله هناك {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ} [الأنعام: 52] ، {ثُمَّ} دلت على حياة برزخية.

( «لقيتني» ) اللقاء مقابلة الشيء ومصادفته معًا. يقال: لَقِيَهُ يَلْقَاه لِقَاءً ولُقِيّ ولُقْيَة، ويقال ذلك في الإدراك بالحس وبالبصر، يعنى اللقاء كالرؤية، نقول: كالرؤية وليس هي كل الرؤية. ولذلك استدل أهل السنة والجماعة بكل حديث أو آية فيها إثبات اللُّقُيّ أنهم يَلْقَوْنَ الله عز وجل استدلوا بهذا النص على ثبوت الرؤية، فكل رؤية هي مستلزمة للقاء، وكذلك العكس، إذًا يقال ذلك في الإدراك بالحس وبالبصر، وزاد في (( المفردات ) ): وبالبصيرة. يحتاج إلى إثبات. {وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ} [البقرة: 223] . واللقاء الملاقاة {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا} [الفرقان: 21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت