( «لقيتني لا تشرك بي شيئًا» ) لا تشرك، ( «لا» ) نافية، و ( «تشرك» ) فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، و ( «شيئًا» ) مفعول به، و ( «تشرك» ) أنت، أليس كذلك؟ و ( «تشرك» ) أنت، الفاعل أنت، ( «لا تشرك» ) ، والجملة فعلية في محل نصب حال من فاعل ... ( «لقيتني» ) أليس كذلك؟ ( «لقيتني» ) حال كونك ( «لا تشرك بي شيئًا» ) ، والحال: قَيْدٌ لعاملها ووصف لصاحبها. يعني تعتبر من المفاهيم، إذا وجد القيد، الوصف حينئذ وُجِدَ ما رتب عليه، وإن لم يوجد انتفى انتفى {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا} [النساء: 93] خصّ بماذا؟ بالمتعمد، {مُّتَعَمِّدًا} هذا حال، طيب إذا كان شيء آخر ليس متعمدًا فله حكم آخر.
إذًا الحاصل هنا أن جملة ( «لا تشرك بي شيئًا» ) الجملة في محل نصب حال للفاعل ( «لقيتني» ) من التاء، حينئذ صار وصفًا إن لقي الله بهذا الوصف لأتيتك بقرابها، إن انتفى هذا الوصف مع سائر الأوصاف ( «يبتغي بذلك وجه الله» ) ، «خالصا» ، «صادقًا» إلى آخره حينئذ نقول: إذا انتفت تلك الأوصاف مع هذا الوصف لا يترتب عليه الحكم وهو قول: ( «لأتيتك بقرابها مغفرة» ) .
إذًا ( «لا تشرك بي شيئًا» ) هذا حال، أي ثُمّ مِتْ حال كونك سالِمًا من الشرك، و ( «لا تشرك بي شيئًا» ) قلنا: فيه عمومان كما سبق، عموم في الشرك نفسه قليله وكثيره، وذلك مأخوذ من قوله: ( «تشرك» ) لأنه فعل مضارع منسبك من زمن ومصدر، [والزمن نكرة] والمصدر نكره، والنكرة في سياق النفي من صيغ العموم. إذًا لا قليل ولا كثير، إذا انتفى الشرك الأكبر والأصغر ( «شيئًا» ) نكرة في سياق النفي فتعم ماذا؟ الْمُشْرَك به، يعنى (لا ملكا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا) .
قال في (( التيسير ) ): شرط ثقيل. هذا الشرط ليس بالسهل الله المستعان، شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة ( «لا تشرك بي شيئًا» ) شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة، وهو السلامة من الشرك كثيره وقليله، صغيره وكبيره، ولا يسلم من ذلك إلا من سلمه الله، وذلك هو صاحب القلب السليم، والقلب السليم كما قال تعالى {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88، 89] .
قوله: ( «لأتيتك بقرابها مغفرة» ) . اللام وقع في جواب ( «لو» ) ، ( «لأتيتك» ) ، والجملة لا محل لها من الإعراب جملة لو، جواب لو، لأن ( «لو» ) هي شرطية لكنها ليست بجازمة، حينئذ نقول: لا محل لها.
وسبق أن الغفران والمغفرة من الله هو أن يصون العبد من أن يمسه العذاب. ( «بقرابها» ) يعنى بملئها، الضمير هنا يعود على الأرض، [نعم، أحسنت الضمير على الأرض] ، ( «لأتيتك بقرابها» ) أي ملء الأرض مغفرة، وهذا فضل عظيم. والمغفرة هو أن يصون العبد من أن يمسه العذاب.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى - ابن رجب له رسالة في شرح كلمة التوحيد من أنفس ما كُتِب: من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله تعالى بقرابها مغفرة. من جاء مع التوحيد التوحيد بالمفهوم الصحيح الشامل الكامل بقراب الأرض خطايا لقيه الله تعالى بقرابها مغفرة. ثم قال بعد ذلك: فإن كَمُلَ توحيد العبد وإخلاصه لله تعالى فيه وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت يعنى لا يشترط العمل عند من قال لا إله إلا إله فمات كما ذكرناه سابقًا عن البخاري في توجيه حديث عبادة بن الصامت، أنه فيمن قال لا إله إلا الله ثم مات، لا، هذا مات على الإسلام كاملًا، يعنى لم يصلّ ولم يصم .. إلى آخره، نقول هذا: قال: لا إله إلا الله وقام معناها بقلبه وأتى بها بلسانه، انتفى ركن ثالث لكنه لم يجب عليه، لماذا لم يجب عليه؟ لعدم الإمكان، وشرط التكليف الإمكان، لكن من بَقِيَ وعاش بعد لا إله إلا الله حينئذ لا بد من العمل، فإن انتفى العمل لا يقبل منه قول لا إله إلا الله، ولذلك قال: أو بقلبه وبلسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما قد سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية.