فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 2014

إذًا إذا وُجِدَ التوحيد كاملًا حينئذ منع من دخول النار بالكلية كما هو في حديث عتبان السابق، وكذلك توجب هذه الكلمة بهذا المعنى محو الذنوب كلها صغيرها وكبيرها، ومنعه من دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله تعالى محبة وتعظيمًا وإجلالًا ومهابة وخشية وتوكلًا، يعنى أتى بالأعمال القلبية كلها، وحينئذ يُحْرِقُ ذنوبه، أو تحرق هذه الكلمة ذنوبه وخطاياه كلها وإن كانت مثل زبد البحر، يعنى هذه الذنوب. إذًا هذه الكلمة مقيدة بهذه الشروط حينئذ يقول الله تعالى: ( «لأتيتك بقرابها مغفرة» ) .

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الحديث: ويعفى لأهل التوحيد المحض. الذي لم يشوبوه بالشرك. يعنى لم يتلبسوا بالشرك لا الشرك الأكبر ولا الأصغر، ويُعفى لأهل التوحيد المحض ما لا يُعفى لمن ليس كذلك. إذا أهل التوحيد نوعان:

-أهل التوحيد خلص التوحيد عندهم كامل، هؤلاء على صنفين:

-بعضهم وقع في ذنوب.

-وبعضهم لم يقع في ذنب.

-النوع الثاني: أهل التوحيد لكنه ناقص. ونقصانه لفوات الواجب منه، وهو تلبسهم بالشرك الأكبر أو بالبدع أو نحو ذلك.

ما لا يعفى لمن ليس كذلك، ولو لقي الموحد الذي لم يشرك بالله شيئًا البتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده. إذا ابن القيم يرى أن هذا الحديث مُقيَّد وليس على إطلاقه، مقيّد بكل حديث دل على شرط من شروط لا إله إلا الله، بأن يعلم معناها، وأن يأتي بمقتضاها يعمل بمقتضاها، ولا يأتي بناقض لها البتة، يعني لا يقع في الشرك. ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده، فان التوحيد الخالص الذي لا يُشوبه شرك لا يبقى معه ذنب لأنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه وخوفه ورجائه ما يوجب غسل الذنوب ولو كانت قُراب الأرض. (الله أكبر) . فالنجاسة عارضة، والدافع لها قوي.

النجاسة عارضة نجاسة الذنوب، والدافع لها قوي وهو قول: لا إله إلا الله بالشرط المذكور. فمغفرة الذنوب مشروطة بالسلامة من الشرك قليله وكثيره، فالذي لا يسلم من الأكبر لا تنفعه أصلًا، يعنى إذا قال: لا إله إلا الله، ولم يسلم من الشرك الأكبر، يستغيث بالأموات، يطوف، ويذبح .. إلى آخره نفعته لا إله إلا الله؟!

ما نفعته لا إله إلا الله، وإن قالها ألف مرة، وإن صلَّى وصام وزكى وحج؟

نعم، أي نعم، لا تتردد، وإن صلى وصام وزكى وحج لا تنفعه لا إله إلا الله، لماذا؟

لأنه لم يعلم معناها، وإن علم فلم يعمل بمقتضاها، وإن عمل بشيء من مقتضاها لم يرتفع عن موانعها وهو الوقوع في الشرك، لأن التوحيد له نواقض كما أن للوضوء نواقض، فالذي لا يسلم من الأكبر لا تنفعه أصلًا، والذي مات ومعه الأصغر تضعف معه فلا يقوى قوله على تكفير السيئات، والذي معه البدع والمعاصي ينقص ثوابها.

ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى تفصيل في مثل هذه المسألة في محله إن شاء الله تعالى.

مناسبة الحديث للباب ظاهرة، ففيه كثرة ثواب التوحيد وأنه يكفر الذنوب مهما عظمت وكثرت.

وفي الحديث أيضًا: سعة فضل الله وجوده ورحمته وعفوه ومغفرته.

ثانيًا: الردّ على الخوارج الذين يكفرون المسلم بارتكاب الكبيرة، والله عز وجل يقول هنا ( «لو أتيتنى بقراب الأرض خطايا» ) أطلق، منها ما هو كبير، ومنها ما هو صغير، ومع ذلك مات على التوحيد، ( «لا تشرك بي شيئًا» ) دل على أن وقوعه في الكبيرة لا يسلبه وصف الإيمان، بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، إذًا فيه الرد على الخوارج الذين يكفرون المسلم بارتكاب الكبيرة التي هي دون الشرك، وعلى المعتزلة القائلين بالمنزلة بين المنزلتين، وهي منزلة الفاسق فيقولون: ليس بمؤمن ولا كافر ويخلد في النار، ليس بمؤمن ولا كافر، إذًا منزلة بين منزلتين، ويخلد في النار، تحفَّظوا في الاسم، وماذا؟ ووافقوا في الحكم، يعنى تحفَّظوا في الاسم لم يقولوا كما قال الأولون: كافر. قال: لا، لا، ليس بكافر. الحكم في الآخرة مخلد في النار، إذًا ما الفرق؟ نفيت عنه الاسم وأعطيتموه الحكم، لو عكستم لكان أخف، يعنى لو قلتم كافر ولا يخلد لكان أخف من أن تقال ليس بكافر ثم يخلد في النار، ليس بمؤمن ولا كافر ويخلد في النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت