فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 2014

وقوله: (تبين لك خطأ المغرورين) ، (المغرورين) جمع مغرور مأخوذ من الْغِرَّة، والْغِرَّة غَفْلَةٌ في اليقظة، والْغِرَار غفلة مع غفوة، والْغَرُور كل ما يَغُرّ الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، والمغرورون المراد هنا في كلام المصنف رحمه الله تعالى الذين عناهم هم أرباب البدع ممن أخرج الكلمة عن مدلولها كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة ونحو ذلك ممن وقفوا مع بعض النصوص وتركوا البعض الآخر ولم يقيدوا هذه الكلمة بالإخلاص ونحو ذلك مما جاء مشترط في سائر النصوص.

حينئذ الوقوف مع نص ينتج لك بدعة، هذه البدعة تكون مخالفة لما عليه سلف الأمة، فمن أخذ بحديث عبادة على إطلاقه ولم يقيده وقالوا: يكفي قول الكلمة. يعنى لا إله إلا الله دون اشتراط ولا قيد، نقول: هذا مغرور، غَرَّهُ ماذا؟ غَرَّهُ هواه وغَرَّهُ شيطانه لأنه وقف مع نص ولم ينظر إلى النص الآخر، وهؤلاء يكثر في عباد القبور الذين يكتفون بلا إله إلا الله ولم يعلموا معناها أو علموا ولم يعملوا بهذا المقتضى. ومنهم من قال بأنه يكفي توحيد الاعتقاد بأن يقول بقلبه، وهؤلاء كالأشاعرة والماتريدية ونحوهم.

فالمغرورون أنواع منهم من يظن أن التلفظ بهذه الكلمة يكفي في التوحيد مع ترك شروطها وارتكاب الشرك الأكبر المنافي لها، وهذا ما عليه المتأخرون من المشركين سواء كانوا من أهل الجهل أو كانوا من علماء الشرك.

(السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان) يعني لا بد من التفطن لهذا الشرط، وهو قيد الإخلاص، لا بد وأن تكون هذه الكلمة مقيدة بهذا الشرط، وهو شرط ثقيل أن يبتغي بقولها وجه الله، ولا يكفي مجرد القول، فالمنافقون قالوها ولم تنفعهم كما سبق في كلام ابن القيم رحمه الله تعالى وهذا محل إجماع ويُرد به على الأشاعرة وعلى من اكتفى بالكلمة دون النظر في معناها.

(الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله) حيث أرشد الله موسى عليه السلام إلى قولها، ثم نَبَّهَهُ إلى فضلها، فغيرهم يكون من باب أولى وأحرى، لكن السؤال هنا: كون الأنبياء الحديث نص خاص بموسى عليه السلام، والمسألة هذه اعم، وهل يُستدل بالأخص على الأعم؟

الجواب: لا، لا يُستدل بالأخص على الأعم، نعم يستدل بالأعم على الأخص، إذا كان داخلًا في ضمن مفهومه بالاستدلال على العموم على هذا الوجه، نقول: هذا النص عام، وهذه الصورة فرد من أفراد النص العام إذًا يصدق عليها الحكم.

وأما الخاص يستدل به على العموم فهذا لا، هذا ممنوع عند أرباب الأصول.

إذًا السؤال هنا على هذه المسألة أن هذه المسألة حكم عام، والدليل خاص بموسى عليه السلام، فما عدا موسى حينئذ يحتاج إلى دليل على هذه الدعوى، فمن أين أخذ المصنف رحمه الله تعالى هذا العموم.

أجاب بعضهم بأن فضل الله تعالى المعين لـ (لا إله إلا الله) لا يُعرف إلا من جهة الوحي، وقبل الوحي لا يُعلم ولا بد في كل شريعة من ذكر فضل هذه الكلمة، والكلام في الفضل لا في المعنى، وأما المعنى فما بُعِثَ الرسل إلا من أجل مدلول لا إله إلا الله، فحينئذ كيف يُدَّعَى بأن ثَمَّ نَبِيًّا لا يعرف معنى لا إله إلا الله، هذا محال، هذا تكذيب للنصوص {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] المعنى لا إشكال فيه، وأما الفضل المعين المرتب على هذه الكلمة كم لها من حسنات؟ كم تكفر من الذنوب؟ هذا يختلف باختلاف الشرائع قد يخبر به نبي مع بيان المعنى الذي يدعو إليه، وقد يؤخر حينئذ يخبر به بعد دعوته. وهذا يحتاج إلى نظر.

إذًا الكلام في الفضل لا في معرفتها فإن معرفة هذه الكلمة وما دلت عليه لا يمكن أن يُبعث نبي ابتداء إلا وهو يعلم هذا المعنى، وإلا فكيف يدعو الناس إلى معناها وهو لا يعرفه.

أما فضلها كم لها من حسنة؟ وكم تكفر من الذنوب؟ وهذا قد يعلم به، وقد لا يعلم به، ويُنَبَّه على فضلها فيما بعد.

على كل المسألة فيها بحث، يعني النص خاص بموسى عليه السلام، وكون غيره مثله في هذا المجال يحتاج إلى نص خاص. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت