لو قيل بالتلازم من حيث أن أصل التوحيد يلزم منه التحقيق حينئذ من لم يحقق يُنفَ عنه التوحيد. وليس الأمر كذلك، نعم لا يكون محقِّقًا إلا من جاء بأصل التوحيد، أما من جاء بأصل التوحيد فلا يلزم أن يكون محقِّقًا، وعدم التحقيق لا يلزم منه نفي التوحيد، من هو موحد وعامة الناس مخلطين إنما هم أتوا بأصل التوحيد، يعنى أتوا بحقيقة التوحيد ولم يتلبسوا بالشرك الأكبر فهم مسلمون موحدون، ولكن يُنفى عنهم التحقيق. ونفي التحقيق كما ذكرنا لا يستلزم نفي أصل التوحيد.
إذًا فهما شيئان متغايران، لكن لا يفهم منه أن الثاني يمكن إيجاده دون الأول، يعنى لا يحقق التوحيد إلا بأصله وهذا واضح بَيِّن، والعكس قد يوجد الأصل ولا يوجد التحقيق فهما شيئان متغايران والنظر فيهما لما ذكرنا.
قوله: (باب) كما سبق بالرفع خبر لمبتدأٍ محذوف، وفيه أوجه. ومعنى الباب لغة واصطلاحًا مر معنا، باب مضاف و (من) هذه شرطية في محل خبر، وهي (من) صيغ العموم وللعاقل غالبًا، يعنى تطلق على العاقل، وهو المراد هنا لأن المخاطب من البشر هم العقلاء (من حقق) ، (حقق) فعل شرط وهو فعل ماضٍ في محل جزم، وجوابه جواب الشرط (دخل) . وقوله: (بغير حساب) جار ومجرور متعلق بجواب الشرط والجملة الشرطية هنا لها حكمان:
-حكم من جهة المنطوق.
-وحكم من جهة المفهوم.
لأن مفهوم الشرط معتبر عند أهل العلم، وجماهير الأصوليين أن مفهوم الشرط حجة من حجج التي يثبت بها الحكم الشرعي. إذًا الجملة الشرطية لأن الشرط هو تعليق شيء على شيء هذا المراد، إن جاء زيد فأكرمه، حينئذ مفهومه إن لم يأت لا تكرمه.
بالمنطوق دل على الإثبات، وبالمفهوم دل على العكس وهو النفي، أكرمه إن حصل منه مجيء هذا إثبات، وهذا مأخوذ من المنطوق.
لا تكرمه إذا لم يأت، وهذا نفي، نفي الجواب لعدم وجود تحقق الشرط، وهذا مأخوذ من المفهوم. (من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب) إذًا دخول الجنة بغير حساب لمن حقق هذا الشرط، وتحقيق هذا الشرط هو الإتيان بتحقيق التوحيد، لا يدخل الجنة بغير حساب إذا لم يحقق التوحيد، لكن انتبه! لا نقول: لا يدخل الجنة. نقول: لا يدخل الجنة بغير حساب. فالمنفي هنا الدخول مع متعلقه، لا يدخل الجنة بغير حساب. إذًا لا يدخل الجنة بغير حساب إذا لم يحقق التوحيد لكنه سيدخل الجنة، فالدخول قد يُفهم من هذا التعبير. عند المصنف رحمه الله تعالى الدخول نوعان:
-دخول بحساب.
-ودخول بغير حساب.
المنفي عند عدم تحقيق التوحيد هو النوع الأول دخول بغير حساب، حينئذ نقول: هذه الجملة الشرطية لها حكمان، حكم وهو إثبات مأخوذ من ماذا؟ من المنطوق، وهو من حقق التوحيد حصل له الجواب وهو دخول الجنة بغير حساب.
والمفهوم الحكم الثاني: النفي وهو مأخوذ من المفهوم لا يدخل الجنة بغير حساب. ولا تقل لا يدخل الجنة إذا لم يحقق التوحيد خالفت معتقد أهل السنة والجماعة، وإنما تقييد هذا كما ذكرناه مرارًا بان ما جاء متعلقًّا بصيغة من صيغ الأمر أو النهي فهو داخل في مفهوم الأمر والنهي، وهذا يخطئ فيه كثير من طلاب العلم، ما جاء مقيِّدًا لصيغة من صيغ الأمر أو النهى فهو داخل في المأمور، كما مثل بعضهم بقوله: صم يوم الاثنين. صم هذا أمر، حينئذ لك نظران:
-نظر إلى الفعل دون متعلقه وهو مجرد الصوم.
-ونظر للفعل مع متعلقه.
حينئذ تقول: هل المأمور به هنا مجرد صومه في أي يوم من الأيام أو صوم مقيد؟
الثاني، وهو صوم مقيد. إذًا، إذا قال: صم يوم الاثنين. وصام يوم الثلاثاء هل هو ممتثل أو لا؟ صام، هل هو ممتثل أو لا؟ غير ممتثل، لماذا؟ لأنه لم يؤمر بمطلق صوم، وإنما أمر بصوم مقيد، حينئذ المأمور به شيئان:
-أن يصوم.
-وأن يكون هذا الصوم في يوم الاثنين.
حينئذ إن وجد أحد الأمرين بأن صام لا في يوم الاثنين لا يعتبر ممتثلًا، هنا جاء النص بماذا؟ من حقق التوحيد. وهذا الذي ذكره في الحديث ( «لا يكتوون» ) .. إلى آخره دخل الجنة بغير حساب.
إذًا الدخول هنا مقيّد، حينئذ إذا نفي عن من لم يحقق التوحيد يُنفى بقيده لا بمطلق الدخول، وإنما يقال لا يدخل الجنة بغير حساب، لا بد من ذكر هذه اللفظة وإلا كنت مخطئًا.