فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 2014

قوله: (من حقق) ، (حقق) هذا فعل ماضي كما ذكرنا أصل الحق في لسان العرب المطابقة، والموافقة هكذا في (( المفردات ) )أصل الحق المطابقة والموافقة كمطابقة رجل الباب في حَقِّهِ لدورانه على استقامة، فكل شيء طابق شيئًا آخر من وجه الكمال سواء كان قولًا أو فعلًا حينئذ يُعتبر ذاك الشيء محقِّقًا، ويقال الحق على أوجه، يعنى يحمل على أو يطلق على أوجه منها للفعل والقول. يقال: قولك حق وفعلك حق، حينئذ الحق يوصف به القول، ويوصف به الفعل على أوجه منها للفعل والقول الواقع بحسب ما يجب، وبقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب كقولنا: فعلك حق، وقولك حق. ويقال: أَحْقَقْتُهُ كذا. يعنى أثبته حَقًّا كما مر معنا.

قوله: (من حقق التوحيد) . (حقق) الفاعل هنا ضمير مستتر يعود على (من) ، وأفرده باعتبار لفظ (من) وإلا يصح أن يقال: باب من حققوا التوحيد دخلوا. يصح لأنه ليس واحدًا وإنما هم جمع، ولذلك سبعون ألف، حينئذ لو جاء بواو الجمع لصح، فيكون الجمع باعتبار المعنى، معنى (من) ولك أن تفرد باعتبار لفظ (من) وقد صنعه المصنف هنا.

(التوحيد) قلنا: هذا الباب مكمل لما سبق. وما سبق (باب فضل التوحيد) عرفنا أن (أل) هنا للعهد العهد الذهني أو الذكري كما قيَّده في (( قرة عيون الموحدين ) )لأن المراد بالتوحيد في قوله: (باب فضل التوحيد) هو توحيد الألوهية، وإذا ذُكر الفضل في توحيد الألوهية وخُصّ به الحكم لا يلزم منه أن لا يكون للنوعين الآخرين فضل كذلك، فتوحيد الأسماء والصفات هو جزء وبعض من توحيد الألوهية، وكذلك توحيد الربوبية جزء أو بعض من توحيد الألوهية، فما ثبت لتوحيد الألوهية فهو ثابت لوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات للعلاقة والتلازم والتضمن كما سبق ذكره، حينئذ التنصيص على نوع واحد لا يلزم منه نفى الفضل لغيره، كذلك هنا (من حقق التوحيد) المراد به توحيد الألوهية لأن هذا الباب مكمل للباب السابق فلا زال الحديث عن توحيد الألوهية، بل هذا الكتاب كما ذكرنا (( كتاب التوحيد ) )عرفنا أن مراد المصنف فيما سبق المراد به توحيد الألوهية لأن الخصومة التي وقعت بين الرسل وأممهم في توحيد الألوهية لا في غيره من أنواع التوحيد، وكما سيأتي في (تفسير التوحيد) مزيد بحث.

قوله: (التوحيد) أي توحيد الألوهية، فـ (أل) للعهد الذكري لأن هذا الباب مكمل للباب السابق، وتقدم أنه في توحيد الألوهية، أي (من حقق) توحيد الألوهية دخل الجنة بغير حساب، من حقق توحيد الألوهية يعنى إفراد الله تعالى بالعبادة بأن بلغ بعبادته وإفراده لربه الغاية القصوى، وأتقن هذا الأفراد وحقَّقَه دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما جاء في النص. وكذلك الأدلة من الآيتين والحديث المذكورين تحت التبويب كلها في توحيد الألوهية، وسيأتي مزيد بيان في ما يتعلق بمعنى التحقيق.

قوله: (دخل) هذا جواب شرط كما سبق، (دخل) ، (من حقق) ، (دخل الجنة) الدخول نقيض الخروج ويستعمل ذلك في المكان والزمان والأعمال، يعنى الدخول يوصف به المكان، ويوصف به الزمان، ويوصف به الأعمال. يقال: دخل مكان كذا، قال تعالى: {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ} [النحل: 32] ، ولا شك أن لجنة شيء محسوس مكان، وهذا في المكان. ويقال: دخل وقت العصر، دخل وقت العشاء، دخل وقت كذا. ويقال: دخلت في الصلاة. هذا في العمل، أو دخلت في الصوم.

إذًا الدخول قد يكون في الفعل العمل، وقد يكون في الزمان، وقد يكون في المكان، والمراد هنا المكان لأن الجنة شيء محسوس. وهنا الفعل (دخل) فعل ماضي، و (حقَّقَ) فعل ماضي (حقق) لا شك أن المراد به معناه الأصلي في لسان العرب لأن الفعل الماضي لفظ دال على زمن قد مضى، ولأن الدخول هنا حكم أخروي، حينئذ لا بد أن يكون العمل الذي يترتب عليه الثواب والعقاب يكون في الدنيا إذ لا تكليف في الآخرة، حينئذ كونه حقق على وجه هذا لا إشكال فيه، بل هو الذي ينضبط، وأما (دخل) فهو من حيث اللفظ ماضٍ، أما من حيث المعنى والزمن لا، المراد به المستقبل لأن الدخول دخل الجنة هذا حكم أخروي وإنما يكون في بعد مضي وقضاء الدنيا. إذًا الفعل هنا ماضي لفظًا مستقبل معنى.

ومنه ماضٍ عن مضارعٍ وُضِعْ ... لكونه محقَّقًا نحو فَزِعْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت