وهذا في لسان العرب فهو حقيقي {أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} ... [النحل: 1] انظر أتى فعل ماضي، قام زيد انتهى القيام، لكن قال: ... {فلا تستعجلوه} والاستعجال يكون لشيء يأتي في المستقبل. حينئذ عرفنا أنه سيأتي أمر الله فلا تستعجلوه، إذًا أوقع الفعل الماضي هنا موقع الفعل المستقبل الذي هو المضارع للدلالة على تحققه بأنه سيقع لا محالة، ويستفيد منه المكلّف بأن إيمانه بالمستقبل يكون كإيمانه بما وقع وحصل، وهذا أمر فطري أن الإنسان يؤمن بالشيء الواقع المحسوس الشيء الذي حصل وكان وانتهى، وأما الشيء المستقبل الغيب فهذا قد يكون في نفسه شيء لكن المطلوب من المكلف هنا بالتعبير بمثل هذه الألفاظ في الشرع حتى {إِذَا فُزِّعَ} [سبأ: 23] ، {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} جاءت ألفاظ كلها بالفعل الماضي ونفخ في الصور، ما ما نفخ بعد، ننفي؟ هل يصح النفي، {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} ، نفخ فعل ماضي مُغير للصيغة، ننفي؟ نقول: لم ينفخ. لا إله إلا الله، هل نفخ؟ ما نفخ، إذًا قطعًا هذا، ما نفخ بعد فننفي، إذًا كيف يكون فعل ماضي والفعل الماضي يدل على شيء وقع وحصل، تقول: لا سينفخ المراد به في المستقبل، وإنما إيمانك بالذي سيكون لا بد أن يكون كالشيء المحقق فيما وقع وانتهى. ولذلك قال السيوطي:
ومنه ماضٍ عن مضارعٍ وُضِعْ ... لكونه محقَّقًا نحو فَزِعْ
{فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ} [النمل: 87] ما بعد فزع، حينئذ نقول: يجب أن يؤمن المكلَّف بما سيأتي كإيمانه بالأمر الذي وقع وحصل. إذًا الفعل هنا ماضٍ لفظًا ومستقبل معنى. إذ الحكم هنا أخروي لا دنيوي. قال تعالى: {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [المجادلة: 22] ، {وَيُدْخِلُهُمْ} هذا ماضيه إدخال مصدر هذه أَدْخَلَ يُدْخِلُ إذا يُدْخِلُ هذا فعل مضارع المراد به المستقبل، إذا يفسر ما ذكره المصنف. وجاء {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ} [النساء: 57، 122] ، {سَنُدْخِلُهُمْ} السين هنا للاستقبال، إذًا دَخَلَ ليس على بابه، وإنما المراد به المستقبل.
(دخل الجنة) ، (الجنة) أصل الجنِّ ستر الشيء عن الحاسة. أصل الجن في لسان العرب ستر الشيء عن الحاسة. يقال: جَنَّهُ الليل، وأَجَنَّهُ وجَنَّ عليه، فجنَّه ستره، هذا مشتق من جَنَّ، والجنة في لسان العرب يعنى الشيء المدرك بالحس المعهود فيما إذا تخاطب به العرب، والمراد بالجنة كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ} [سبأ: 15] ليس المراد به جنّة الآخرة المراد بها بستانان، {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ} [الكهف: 39] يعنى بستانك، المراد بالجنة هنا الجنة المحسوسة المدركة وهي البستان، إذًا سميت الجنة التي هي ثواب للمؤمنين ورحمة الله عز وجل سميت جنة باسم هذه الجنّة التي هي البستان في الدنيا، لكن وجه الشبه بينهما كما ذكره صاحب (( المفردات ) )سُمِّيَتِ الجنة إما تشبيها بالجنة في الأرض وان كان بينهما بون، تشبيه كل منهما بستان ذي شجر يستر هذا الشجر الأرض، لكن حقيقة هذا البستان مغايرة لحقيقة البستان الذي يكون في الدنيا، وذاك الغيب فحينئذ نؤمن به بمجرد اسمه العام، وأما من جهة التفاصيل والآحاد هذه أمور غيبية، وسميت الجنة إما تشبيهًا بالجنة في الأرض وإن كان بينهما بون، وإما - وجه آخر في سبب التسمية - وإما لستره نعمها. يعنى الله عز وجل ستر نِعَم هذه الجنة عنا المشار إليه أو إليها بقوله: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] . إذًا كل منهما فيه نوع ستر إلا أن في الوجه الثاني ستر النعم، يعنى على جهة التخصيص، وإما على جهة العموم فهذا وارد في الكتاب والسنة، وكذلك بعض التفصيل لا كل التفصيل هذا وارد في الكتاب والسنة.
قال ابن عباس: إنما قال: {جَنَّاتٍ} ، {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ} جاء في القران لفظ الجنة فقط، وجاء جنتان {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} [الرحمن: 62] ، وجاء جنات. إذًا جاء بالجمع، وجاء بالتثنية، وجاء بالمفرد، ولا تعارض في لسان العرب بين هذه، فيحمل حينئذٍ الجنة (أل) للجنس يكون عامة، أو للاستغراق فلا ينفي التعدد، وجنتان يكون حكمهما خاص، والجمع كذلك لا يُعارض المفرد.