قال ابن عباس: إنما قال: (جَنَّات) بلفظ الجمع لكون الجنان سبعًا:
جنة الفردوس، وعدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليين. والله أعلم فيما قاله، والجنة (أل) فيها من حيث المعهود تكون للعهد الذهني، فهي الجنة المعروفة عند المسلمين المتصورة من حيث الاسم في الذهن، الجنة المعروفة عند المسلمين وهي المتصورة يعنى في الذهن إذا أطلقت الجنة عند الناس إذا قيل: الله عز وجل يُدخِلُ الجنة تبادر للذهن الجنة التي وعد الله تعالى المتقين بها. والجنة (أل) فيها للجنس فيدخل فيها أنواع من الجنان، وجنة الفردوس نوع منها وهو أعلى الجنة، حينئذ نحمل (أل) للجنس وهذا لا ينفي التعدد، أو نقول: (أل) للاستغراق.
قوله: (دخل الجنة) هذا حكم أخروي كما سبق وهذه المسألة تسمى مسألة الثواب والعقاب عند من يتكلم في باب المعتقد، وهناك جنة للمقتصد، وهي التي قال فيها {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} ، فمن حقق التوحيد فهو من السبعين ألفًا، وهؤلاء هم أفضل من يدخل الجنة كما في الحديث «أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر» ، وهما أهل الفردوس الأعلى، ونوع منهم ممن حقق التوحيد وهم أقل من هذا النوع وهو المقتصد، وهم أهل قوله: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} وهما الصنف الثاني من آية فاطر {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32] .
المصنف هنا رحمه الله تعالى راعى هذه الأصناف الثلاثة {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} جاءنا الباب الماضي عامًا فدخل فيه الظالم لنفسه، ولذلك أورد ( «لقيتني لا تشرك بي شيئًا آتيتك بقرابها مغفرة» ) ، ( «لو أتيتني بقراب الأرض خطايا» ) هذا شأن الظالم لنفسه، وجعل الباب الثاني باعتبار السابق (من حقق التوحيد) جعله للمرتبة الثانية والثالثة 2وهما المقتصد والسابق بالخيرات، وهما الصنف الثاني من آية فاطر {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} وآية {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} [الواقعة: 27] وهما الطائفة الأخرى المقصودة بهذا الباب كما سيأتي، وأما الظالم لنفسه فهو داخل في الباب السابق وهو الذي أتى بأصل التوحيد وترك الشرك الأكبر ومعه حسنات راجحة أو أتى بأصل التوحيد مع ترك الشركين الأكبر والأصغر مع السياق على ما سبق من الموازنة. إذًا قوله: (من حقق التوحيد دخل الجنة) . أي جنة نقول: هذه تختلف الفردوس الأعلى المراد بها من أتى بالتوحيد، وحققه على الدرجة العليا، وهذا داخل أو يشمل أو خاص بالطائفة الثالثة {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} ، دون هذه المرتبة تعتبر للمرتبة الثانية ممن حقق التوحيد ومن عَبَّر عنهم الله عز وجل بالمقتصد.
قوله: (بغير حساب) . قلنا: هذا جار ومجرور متعلق بقوله: (دخل) ، (دخل الجنة بغير حساب) ، فليس المراد مطلق الدخول، ليس الحكم هنا مطلق الدخول دخول الجنة لأن هذا يشمل كل موحد، كل موحد فهو داخل للجنة قطعًا سواء مرّ بعذاب أو لا، وإنما المراد هنا ما بعد (دخل) وهو المتعلق به (دخل بغير حساب) .