الحساب في الأصل استعمال العدد، يقال: حَسَبْتُ أَحْسِبُ حِسَابًا وحُسْبَانًا. قال تعالى: {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس: 5] . والمراد هنا ما يُحاسب عليه فيجازى بحسبه، وهذا قد جاء نص صريحًا في قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] هذا واضح بين في مقام الحساب، والحساب هنا منفي أو مثبت؟ (بغير حساب) نفي أو لا؟ غير للنفي؟ نعم للنفي قطعًا (بغير حساب) ولذلك عطف عليه (لا) ، ( «بغير حساب ولا عذاب» ) فدل على ماذا؟ على أن المعطوف والمعطوف عليه كلاهما منفيان ( «بغير حساب ولا عذاب» ) ، فإذا أشكل عليك بغير هل هي للنفي أو لا؟ قل: نعم للنفي، ويؤكد ذلك أنه قال في الحديث ( «ولا عذاب» ) . عطف عليه بـ (لا) ، و (لا) هنا زائدة، تؤكد النفي السابق (لا) ، في قوله: ( «ولا عذاب» ) هذه زائدة، فدل على أن المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة واحدة. والحساب هنا منفي لكن هل نفي والحساب يستلزم ألا يُعذب أم قد لا يحاسب ويعذب.
المصنف باعتبار الترجمة لم يذكر (ولا عذاب) فأتى بالجملة الأولى (بغير حساب) هل نفى الحساب يستلزم أن لا يعذب؟ أم قد لا يحاسب ويعذب؟
إني سائل، قوله: (بغير حساب) هذا نفى للحساب. المصنف ترك (ولا عذاب) هل نفي الحساب يستلزم أن لا يعذب؟ أم قد يعذب؟
[نعم أحسنت] يستلزم أن لا يعذب، ولذلك اقتصر المصنف رحمه الله تعالى على هذا، وإن كان زادها الشراح من باب موافقة النص الحديث فقط، كلهم قالوا: (باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب) أي ولا عذاب، هكذا في (( التيسير ) )و (( فتح المجيد ) )و (( إبطال التنديد ) )وغيرها، فذكروا: أي ولا عذاب. هذا من باب مطابقة الترجمة للنص، لأنه جاء في الحديث أن الثواب بغير حساب دخلوا الجنة بغير حساب ولا عذاب مطابقة كعادة المصنف رحمه الله تعالى أن يأتي بالألفاظ كما هي في الكتاب والسنة قالوا: أي ولا عذاب. وإن كان نفي الحساب يستلزم نفى العذاب قطعًا بأنه إذا قيل: لا يحاسب مطلقًا، لا حساب تقرير ولا نقاش ولا تعذيب حينئذ يلزم منه أن لا يعذب.
إذًا هل نفى الحساب يستلزم ألا يعذب؟ أم قد لا يحاسب ويعذب؟
نقول: الجواب قطعًا ولا شك أنه إذا نُفِيَ الحساب أن لا يعذب، ولا شك أن نفي الحساب أبلغ من نفى العذاب، نفي الحساب أبلغ من نفي العذاب، صحيح هذه؟
وجهه لو قال: بغير عذاب. هل يلزم منه نفى الحساب؟ [أحسنت] لا يلزم منه نفي الحساب. إذًا كون المصنف اقتصر على اللفظ الأول دون الثاني لأن اللفظ الأول نفيه يستلزم الثاني الذي هو ولا عذاب، ولم يعكس بأن يقول من حقق التوحيد دخل الجنة بغير عذاب لأن نفى العذاب لا يستلزم نفى الحساب، يعنى قد لا يعذب ويحاسب، وهنا الذي جاء النص في شيئان:"بغير حساب، ولا عذاب". إذًا لا شك أن نفي الحساب أبلغ من نفي العذاب، فنفي الحساب يستلزم أن لا يعذب، فإذا كان لا يحاسب فمن باب أولى ألا يعذب. والعكس صحيح وهو أنه نُفِيَ العذاب قلنا: يمكن أن يحاسب. ولهذا قال الشراح: (بغير حساب) أي ولا عذاب. قوله: ... (بغير حساب) ، (حساب) هذا نكرة في سياق النفي، ومعلوم أن الحساب قسمان عند أهل السنة والجماعة:
الأول: حساب يسير. وهو الذي جاء فيه النص {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 8] .
الثاني: حساب مناقشة. ففي (( الصحيحين ) )من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قوله - صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذب» . هل هذا هو الذي جاء في {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} ؟ قطعًا لا، بينهما فرق «من نوقش الحساب عذب» . فقلت: يا رسول الله أليس الله جل وعلا يقول: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} . قال: «ذلك العرض» . وهذا في حق المسلم. أما الكافر فشأنه آخر.
أما حساب التعذيب هل يُنفى عمن أتى أو حقق التوحيد أو لا؟ الحساب النوع الثاني قال: (بغير حساب) . يعنى بغير حساب مناقشة؟ هل هذا مُسَلمٌ به؟
نعم، «من نوقش الحساب عذب» . ونحن ماذا نقول؟ ( «بغير حساب ولا عذاب» ) .