إذًا قوله: (بغير حساب) كون الحساب الذي بمعنى حساب النقاش المناقشة «من نوقش الحساب عذب» فهو منفي قطعًا، أما حساب التعذيب فلا شك أنه منفي في الترجمة، فلم يقصده المصنف رحمه الله تعالى فلا يحاسب حساب مناقشة لأن هذا فيه تعذيب، بل هو عذاب حينئذ منفي بالنص. والمصنف والشراح نفوا التعذيب، بل النص جاء بهذا.
وأما حساب العرض وهو ما يُسمي بالتقرير عند أهل السنة والجماعة حينما يضع الله تعالى على عبده المؤمن كنفه فيقرره فيقول: أتذكر كذا يوم كذا .. إلى آخره فهل هذا منفي أم لا؟ هل هذا النوع حساب التقرير يعنى الذي لا يترتب عليه التعذيب، هل هو منفي أو لا؟
الجواب: أن فيه تفصيلًا، أما من جاء فيهم النص وهم السبعون ألفًا فهؤلاء لعموم النص ننفى الحساب بنوعيه، من جاء فيهم النص ممن حقَّقُوا التوحيد وهم السبعون ألفًا ننفي النوعين حساب النقاش وحساب التقرير، ونقول: بغير حساب. لماذا؟ لأن حساب نكرة في سياق النفي فيعم. إذًا ظاهر النص معمول به وعلى أصله ولا إشكال فيه، أما من جاء فيهم النص وهم السبعون ألفًا فهؤلاء منفيٌ عنهم الحساب بنص الحديث (بغير حساب) نكرة في سياق النفي حينئذ تعم نفى النوعين. أما غيرهم غير السبعين من أهل هذا الباب فالجواب قال بعضهم: الله أعلم. من جاء فيهم النص يُنْفَى عنهم حساب التقرير، وأما من عداهم ممن حققوا التوحيد كالمرتبة الثانية ... (وهم المقتصدون) قال بعض المعاصرين: الله أعلم.
والأولى أن يقال: بأن هذا الحديث الذي معنا خاص في السبعين فهو مخصص لعموم ما جاء فيه لفظ الحساب {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} هذا عام {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} حينئذ نقول: هذا عام خُصّ بالسبعين من عداهم على القاعدة ما هي؟ القاعدة أنه إذا خُصّ فرد من أفراد العام استُثْنِيَ من حكم العام، وما لم يرد فيه تخصيص لا نقول: الله أعلم. وإنما نقول: ما زال حكم العام سائرًا عليه، فيبقى على الأصل.
إذًا الأصل فيما عدا السبعين أنهم يحاسبون حساب تقرير هذا ظاهر الكتاب والسنة، ولا نقول: الله أعلم. لأن دلالة العام باقية هذا الأصل فيها، فيبقى العموم على دلالته على جميع أفراده في السبعين ومن عداهم ممن حقق التوحيد، جاء النص بالسبعين ولهم صفات معينة كما سيأتي في الحديث فحينئذ نقول: هذا خاص وهذا عام، والخاص يقضي على العام ويبقى عدا السبعين على الأصل.
إذًا حكمه معلوم أو نقول: الله أعلم.
نقول: حكمه معلوم، هذا الظاهر والله أعلم.
قد يقال: بأن هذا الحديث الذي معنا خاص في السبعين فهو مخصص لعموم ما جاء فيه الحساب، ويبقى ما عدا صورة التخصيص على الأصل وأنه يحاسب.
هنا قال المصنف: (دخل الجنة) هذا جزم أو يحتاج إلى تعليق؟
جزم، لماذا؟ ما نقول: إن شاء الله؟ هل نعلق أو لا؟
هنا قال: (دخل الجنة) سيدخل الجنة، نحكم عليه بالجنة؟
نعم نحكم عليه بالجنة لأمرين:
الأول: النص. لورود النص. [الثاني:] وما جاء في النص الحمد لله نقف مع النص من أثبت له الشرع نثبته، وما لم يثبت حينئذ نعلق.
ثانيًا: أن الحكم هنا على جهة العموم. يعنى نحن لا نحكم لزيد من الناس بكونه حقق التوحيد نقول: دخل الجنة سيدخل الجنة. هذا لو علمت بشخص أو ظننت - العلم هذا بعيد أمر غيبي - لو ظنت أن زيدًا من الناس حقق التوحيد هل تقول: سيدخل الجنة؟
لا. لماذا؟ لأنه حكم على معين، ولا يجوز الحكم على معين بجنة أو نار على خلاف سيأتي في قضية النار هذه إلا بنص، ولذلك نحكم على من حكم عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه في الجنة من الصحابة ومن عداهم فهم داخلون في النصوص العامة، وأما من عُيِّنَ فيعين باسمه، وما لم يرد حينئذ نبقى على الأصل فنقول: النصوص عامة وهذا داخل فيها.
وابن حزم رحمه الله تعالى يقول: الصحابة كلهم يحكم على أعيانهم لعموم النصوص الواردة.
إذًا قوله: (دخل الجنة) . هذا جزم من المصنف ولم يعلقه لأمرين:
الأول: النص.
والثاني: لأنه حكم على وصف عام، وهذا موافق لما عليه أهل السنة والجماعة. تقول: المتقون من أهل الجنة وتجزم، والمحسنون من أهل الجنة، والموحدون من أهل الجنة وتجزم بهذا، ولا تقول: الموحدون من أهل الجنة إن شاء الله، تعلق، لأن هذا محكوم به قطعًا، فالحكم المعلق على وصف يبقى على أصله.