(باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب) عرفنا مفردات هذه الترجمة.
ثم بعد أن عرفنا هذه المفردات نقول في بيان معنى التحقيق هنا قال: (من حقق التوحيد) ما المراد بالتحقيق؟
هل هو شيء واحد؟ يعنى ما معنى التحقيق؟ وهل من حقق التوحيد لأن من هنا تصدق على العاقل (من حقق التوحيد) هل هم أهل مرتبة واحدة، أهله مرتبة واحدة؟ أم مراتب؟ وكم هذه المراتب؟
الشراح هنا اختلفت عبارتهم في التعبير عن التحقيق، والاختلاف هنا اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، يعنى في (( التيسير ) )قال شيء، وفي (( الفتح ) )قال شيئًا آخر، وكذلك ابن السعدي في (( القول السديد ) )قال شيء مغاير لما عليه صاحب (( الفتح ) )، حينئذ نقول: النظر فيها يُنظر فيها ابتداء فيقول: ثَمّ خلاف بينهم. وعند التأمل ليس ثَمَّ خلاف لأن هذا الخلاف خلاف تنوع، ويحمل على أن أصحاب التحقيق تحقيق التوحيد ليسوا على مرتبة واحدة. إذ لو كانوا على مرتبة واحدة لحصل تعارض وصار الخلاف بينهم خلاف تضاد.
إذًا يرد السؤال هنا شراح (( كتاب التوحيد ) )اختلفوا في معنى التحقيق تحقيق التوحيد، نقول: الخلاف هنا مَبْنِيٌ على هل أهل التحقيق مرتبة واحدة أو لا؟ إن قلنا: مرتبة واحدة حينئذ لاشك أن الخلاف خلاف تضاد لا بد من الترجيح. إذ الشيء الواحد لا يُحكم عليه بحكمين مختلفين، وإذا قيل بأن أهل التحقيق على مرتبتين حينئذ نقول: الخلاف هنا خلاف تنوع وليس بخلاف تضاد.
قال في (( التيسير ) ): وتحقيق التوحيد هو معرفته والإطلاع على حقيقته والقيام بها علمًا وعملًا. معرفته يعنى يأتي بأصل التوحيد، لا بد من ذكر ماذا؟ أصل التوحيد، لأنه لا يمكن أن يأتي بالجزء الثاني وهو التحقيق إلا من عرف التوحيد، وقد سبق أن تحقيق التوحيد قدر زائد على ماهية التوحيد كما عَبَّر ابن القاسم في (( حاشيته ) )قدر زائد على ماهية التوحيد، يعنى شيء آخر مغاير لأصل التوحيد، والمغاير على ما ذكرناه سابقًا. قال: تحقيق التوحيد معرفته والإطلاع على حقيقته - تأكيد على ما سبق - والقيام بها علمًا وعملًا. القيام يعنى امتثال ما جاء به الشرع وما دل عليه التوحيد علمًا وعملًا. وحقيقة ذلك هو انجذاب الروح إلى الله تعالى. انجذاب الروح ولا يكون الانجذاب انجذاب الروح إلى الله تعالى إلا إذا تخلت الروح عن أي تعلق من تعلقات البشر، يعنى بلغ الغاية في كون هذه الروح متعلقةً ببارئها جل وعلا، حينئذ نظر المصنف هنا إلى أي درجة إلى الدرجة القصوى التي لا بعدها درجة البتة، إذ لا يعبر بانجذاب الروح إلى الله تعالى على وجه الكمال إلا لمن بلغ الغاية في تحقيق التوحيد، الذي ليس شيء بعده شيء البتة، والناس كما سيأتي في كلام بن القيم رحمه الله تعالى يتفاوتون تفاوتًا كبيرًا في تحقيق التوحيد. وحقيقة ذلك هو انجذاب الروح إلى الله محبة وخوفًا وإنابة وتوكلًا ودعاء وإخلاصًا وهيبة وتعظيمًا وعبادة. هذه معاني قلبية لا تنجذب الروح إلى الله تعالى على وجه الكمال إلا إذا كانت هذه الأعمال على وجه الكمال، يعنى بلغت المحبة غايتها، وبلغ الخوف من الله تعالى غايته، وبلغ الدعاء والإخلاص والرهبة والوجل .. إلى آخره والخضوع والانكسار غايته، وهذا لا يكون إلا لمن أتى بالدرجة العليا في تحقيق التوحيد. وبالجملة فلا يكون في قلبه شيء لغير الله. هذا تفسير لمعنى الانجذاب، وكونه أتي بهذه الأفعال أعمال القلوب على وجه الكمال، فلا يكون في قلبه شيء لغير الله تعالى، ولا إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله، وذلك هو حقيقة لا اله إلا الله. فإن الإله هو المألوه المعبود.
ثم قال في (( التيسير ) ): وما أحسن. ما قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
فلواحد كن واحدا في واحد أعنى سبيل الحق والإيمان
فلواحد الله عز وجل، كن واحدًا يعنى في إرادتك وقصدك وتوجهك، في واحد طريق واحد ليس ثَمَّ طريقان، أعنى سبيل الحق والإيمان، وذلك هو حقيقة الشهادتين، فمن قام بهما - ما زال الكلام لصاحب (( التيسير ) )- وذلك هو حقيقة الشهادتين فمن قام بهما على هذا الوجه فهو من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.