إذًا له على ما ذكره من كمال القنوت وقوة التوكل على الله تعالى، والناس متفاوتون كما ذكر رحمه الله تعالى في التوحيد في تحقيقه تفاوتًا عظيمًا.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في (( المدارج ) )في آخر (( المدارج ) )الجزء الثالث: ولا ريب أن أهل التوحيد يتفاوتون في توحيدهم. أهل التوحيد في أصله وفي كماله، حتى من لم يحقق التوحيد وإنما جاء بماهية التوحيد، هؤلاء يتفاوتون في أصل التوحيد، وكذلك من باب أولى في الكمال، إذا كان مبناه على قوة التوكل على الله تعالى وقطع الالتفات إلى الأسباب على طريقة أهل السنة والجماعة فهذا يحتاج إلى نوع مجاهدة.
(ولا ريب أن أهل التوحيد يتفاوتون في توحيدهم علمًا ومعرفة وحالًا تفاوتًا لا يحصيه إلا الله، فأكمل الناس توحيدًا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، والمرسلون منهم أكمل في ذلك) . إذًا الأكمل على الإطلاق هم الرسل، ثم الأنبياء، وأكمل المرسلين أولوا العزم من الرسل، يعنى أكمل توحيدًا من مطلق الرسل، فحينئذ على الترتيب أولوا العزم أولًا أكمل الناس تحقيقًا للتوحيد، ثم بقية الرسل، ثم الأنبياء. وأولى العزم من الرسل أكمل توحيدًا - يعنى من مطلق الرسل وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - وأكملهم توحيدًا الخليلان، وهذه مرتبة. الخليلان: وهما محمد، وإبراهيم. صلوات الله وسلامه عليهما. .. إلى أن قال رحمه الله تعالى قال: شيخنا: والخليلان. شيخنا من؟ ابن تيمية رحمه الله تعالى، وإذا أطلق ابن القيم شيخنا فالمراد به ابن تيمية. قال شيخنا: والخليلان هم أكمل خاصّة الخاصة توحيدًا. خاصة الخاصة. ثَمَّ ابن تيمية رحمه الله تعالى وكذلك ابن القيم يجعلوا توحيد عامة الناس التوحيد العام، ثم الرسل والأنبياء توحيد خاصة، ثم هؤلاء الشخصان أو هذان الشخصان خاصة الخاصة، يعنى من باب التفصيل فقط وإن كان اللفظ هذا مشترك يعنى بين الصوفية وغيرهم. لكن المعنى المراد عند ابن تيمية إذا أطلق هذا اللفظ ومثله في العبودية. ذكره ابن القيم في أول المدارج. عبودية عامة، وعبودية خاصة، وعبودية خاصة الخاصة. اللفظ هذا دخيل، لكن المعنى المراد واضح بين فلا إشكال.
والخليلان هم أكمل خاصة الخاصة توحيدًا، ولا يجوز أن يكون في الأمة من هو أكمل توحيدًا من نبي من الأنبياء، يعنى لا نقول: أبو بكر رضي الله تعالى عنه أكمل توحيدًا من أي نبي من الأنبياء، هذا لا يجوز، بل الأنبياء أعلى درجة على ما ذكره: الخليلان، ثم بقية أولى العزم، ثم الرسل، ثم الأنبياء، من بعدهم ممن لم يكن نبيًّا ولا رسولًا حينئذ لا يمكن، بل لا يجوز كما قال هنا، لا يجوز أن يُدَّعَى أن شخصًا منهم قد حقق التوحيد وأتى به وكان أكمل في ذلك عن نبي من الأنبياء. ولا يجوز أن يكون في الأمة من هو أكمل توحيدًا من نبي من الأنبياء، فضلًا عن الرسل فضلًا عن أولى العزم، فضلًا عن الخليلين. وكمال هذا التوحيد هو أن لا يبقى في القلب شيء لغير الله أصلًا، بل يبقى العبد مواليًّا لربه في كل شيء يحب من أحب وما أحبه، ويبغض من أبغض وما أبغض، ويوالي من يوالي ويعادي من يعادي ويأمر بما يأمر به وينهى عن ما نهى عنه.
إذًا أراد به المرتبة الأولى وهى التي عناها صاحب (( التيسير ) ).
إذًا انتهينا مما سبق أن التحقيق تحقيق التوحيد على درجتين مرتبتين، وان شئت عَبِّر بما عَبَّر به ابن القاسم: حكمان: واجب، ومندوب. حينئذ الواجب هو الذي حدَّه صاحب (( الفتح ) )، والمندوب هو الذي حدَّه صاحب (( التيسير ) ).
لكن هل يمكن إذا قيل بأنه لا بد من انجذاب الروح .. إلى آخره هذا قد يفهم منه البعض إن هذا أمر معسور، أليس كذلك؟ هل لنا نطمع في هذا؟ هل لنا نطمع في هذا أو لا؟
إذًا قيل كما قال بن تيمية هنا: كمال هذا التوحيد أن لا يبقى في القلب شيء لغير الله أصلًا. نحن كبشر في هذا الزمن، هل يمكن أن يكون وصفنا وحالنا مثل هذا.
يمكن أو لا؟
السؤال عن الإمكان، فرق بين الإمكان والوقوع؟ يمكن أو لا؟