-وقراءة هي فوق ذلك. وهي أن يجمع بين القراءة مع التدبر الذي يكون بالقلب {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] . إذًا السبب الأول في إيجاد المحبة على الوجه الصحيح قراءة القرآن بتدبر، والتفهم لمعانيه وما أريد منه كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه يتفهم مراد صاحبه منه. وهذه ذكرها ابن تيمية أشار إليها في أول (( مقدمة أصول التفسير ) )أن الهمم تنشط إلى ماذا؟ لو حفظ الطالب وأراد أن يستشرح كتاب يجد رغبة في نفسه يريد أن يشرح (( البيقونية ) )يريد أن يشرح ويدرسه (( الألفية ) )مثلًا فهناك عمل ذهني، هناك استحضار متى أحفظ متى أذاكر، متى .. إلى آخره، لكن الكتاب الذي هو أصل وهو القرآن قد تجد في النفس غفلة عن ذلك، ولذلك مَثَّل بهذا ابن القيم رحمه الله تعالى قال: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد منه كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه في العلوم، لماذا مَثَّلَ هذا بهذا؟ لأن ذاك مستحضر بالذهن موجود عند الطالب يقوم وينام ويستيقظ وقد يجد أحلام ومنامات بأنه يقرأ كتاب كذا ويقرأ كتاب كذا، هل هذه الهمة موجودة في تفهم كتاب الله عز وجل، أنت الذي تجيب. وهذا مثله مِثْل ماذا؟ مثل الهمة في طلب العلم، وثَمَّ همة أُخري في العمل بالعلم، والله المستعان.
هنا هذه مرتبطة ارتباط كلي بتحقيق التوحيد، يجد طالب العلم من نفسه ماذا؟ يجد عنده همة في الحفظ .. إلى آخره وأن يكون عالِمًا، والجمع بين الصحيحين. ويحفظ (( الألفية ) ).. إلى آخره وهذه همة حسنة جيدة لا بأس بها، لكن إذا تعلم مسألة حكم شرعي هل يجد همة في العمل بهذا الحكم، وهنا لا بد أن يجيب، هل يجد همة؟ حينئذ إذا لم يجد همة في العمل بالعلم فليرجع إلى نيته ويضع أمامها استفهامًا، ثم شوائب تتعلق بالإخلاص. هنا قال: كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويريد شرحه. لأن النفوس عند طالب العلم وغيره إذا أراد أن يحفظ كتابًا من كتب البشر تتعلق الهمة بأن يعرف كل الأغراض، وما أُورِدَ عليه، ولماذا قال كذا، و .. إلى آخره وماذا أجيب؟ لكن إذا جاء القرآن تختلف الهمم هنا.
الثاني: التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض. هذا جاء فيه نص «ولا يزال» .. إلى أن قال: «حتى أحبه» .
الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان. دوام يعنى المداومة، فنوت كمال القنوت كما قال ابن السعدي هناك: كمال القنوت. يعنى كمال دوام الطاعة. دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحاسة، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر، لأن الذكر يكون باللسان، ويكون بالقلب، ويكون بالعمل، فهو جنس يدخل فيه كل ذلك، لكن إذا أطلق في الشرع قد يحمل على العموم وقد يُقيد بذكر اللسان.
الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى. إذا غلب الهوى وجاءت المخالفات هذه هي المحكات، كلٌّ يَدَّعِي أنه يحب الله عز وجل، وكلٌّ يَدَّعِي أنه مستقيم، وكل يدَّعِي أنه إذا أُمِرَ بأمر من أوامر الله عز وجل، وأوامر النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو ممتثل، وإذا نُهِيَ عن شيء انتهى، لكن إذا خالف حينئذ يعتبر مَحَكًّا هل يمتثل أو لا؟ ولذلك إذا لم يوجد شيء أو تعارض مع العوائد والعلائق تجد النفس تقبل الأوامر وتقبل النواهي بالترك دون أي معارضة، ودون أي مشقة على النفس، ولكن إذا كان ثَمَّ تعارض نفسي حينئذ ترد إذا جاءت المعارضة حينئذ نقول: هنا جاءت المحكات لأنه يتردد هل يُقَدِّم هواه أم يقدم أمر الله تعالى؟ هنا الاختبار. [نعم] .
الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة. وهذا واضح بَيّن.
السادس: مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الظاهرة والباطنة، فإنها داعية إلى محبته. قلنا: هذا الأصل الذي ينبني عليه الأصل السابع.
السابع: وهو من أعجبها أعظمها انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى. انكسار القلب وانطراحه بكليته بين يدي الرب جل وعلا. قال ابن القيم: وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات يعنى ليس ألفاظ. وأما حقيقته هذا ما يقوم بالقلب ولا يمكن التعبير عنه البتة.