فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 2014

وموضع ما النصب على الظرفية هذه تفتح أَنَّ بعدها، والأنسب هنا في هذا الموضع أن تكون بمعنى ألا، ولذلك تكسر الهمزة بهدها (أما إني لم أكن في صلاة) ، لأنه أراد التنبيه لما قال: (أنا) يعني: أنا رأيته فكأنه أراد أن ينبه من حوله. وقال: (أما إني لم أكن في صلاة) كأنه قال ألا إني لم أكن في صلاة، وهذه كما ذكرنا تُفتح أن بعدها، الثاني التي ذكرها ابن هشام، والأولى تكسر إن بعدها، والأنسب هنا الأول وهو أن تكون بمنزلة ألا، والقائل هنا (أما إني لم أكن في صلاة) كما ذكرنا هو حصين خاف أن يظن الحاضرون أنه رآه وهو يصلي فنفى عن نفسه إيهام العبادة، هذا هو الأصل في المسلم أنه إذا تُوُهِّم أنه على أمرٍ ما مما يُنسب إلى الشرع وهو ليس كذلك تَعَيَّنَ عليه أن يُبَيِّن، إذا ظُنَّ أنه من أهل العلم وليس كذلك تَعَيَّنَ عليه أن يُنَبِّهُ.

هنا نفى عن نفسه إيهام العبادة، وأنه كان يصلي مع أنه لم يكن فعل ذلك، وهذا يدل على فضل السلف الصالح وحرصهم على الإخلاص وشدة ابتعادهم عن الرياء والتزين بما ليس فيها، وصلاة هنا نكرة في سياق النفي فيعُمّ، بعني: صلاة الفرض وصلاة النفل، لكن المراد هنا صلاة النفل لأنه رأى الكوكب في آخر الليل وليس وقت لصلاة الفريضة، فدل على أنه المراد به صلاة النفل، وقيد الصلاة وإن كان القائم قد يكون بغير صلاةٍ لأنه الغالب في فعل الناس، المسلم إذا قام الليل فالأصل في قيامه أن يكون في صلاة، وإلا يحتمل أنه يسبح وأنه يستغفر وأنه يتلو القرآن، هذه كلها أعمال وتكون من أعمال الليل وهي داخلة عند بعض الفقهاء في مفهوم قيام الليل، يقام الليل بالصلاة وبغيرها، إنما عين هنا الصلاة لكونها هي الغالب.

ثم قال حصين: (ولكني لُدِغت) ، يعني: بين سبب الذي من أجله كان مستيقظًا في ذلك الوقت، ليس بعبادةٍ ليس بصلاة وإنما ثَمَّ سبب حسي آخر قد أزعجه عن نومه فأيقظه وهو كونه قد لُدِغَ، (ولكني لُدِغت) لكن حرف استدراك وهو تعقيب الكلام لرفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه، يعني: قد تقول جملة: زيدٌ عالمٌ، توهم أنه عامل وليس كذلك، تقول: لكنه فاسق. لا يلزم من وجود العلم وجود العمل بالعلم، زيدٌ شجاع حينئذٍ يظن أنه كريم، تقول: لكنه ليس بكريم. فتنفي ما يتوهم ثبوته بالجملة السابقة.

على كلٍّ لكن حرف استدراك يُستدرك به في أثناء الجملة، لذلك لا تقع في أول الكلام إنما تكون تالية. وقوله: (لُدِغت) فعل ماضٍ مغير الصيغة بضم أوله وكسر ثانيه، وحذف الفاعل هنا للعلم به أو لكونه لا تتعلق به الناس.

اللدغ إنما يكون بعقرب ونحوه، إما إذا كان الدغ خاصًا بالعقرب حينئذٍ حذف الفاعل للعلم به، أو إذا كان بالعقرب وغيرها حينئذٍ لا فائدة من ذكر الفاعل، المراد هو حصول الفعل، وهو اللدغ. إذًا حذف الفاعل هنا يحتمل أنه للعلم به، أو لا فائدة من ذكره. يقال: لدغته العقرب وذوات السموم، تَلْدَغُهُ لَدْغًا: لسعته. اللسع واضح معروف أي إصابته بسمها وذلك بأن تأمره بشوكتها العقرب بشوكتها، يعني: فأوجب لي اللدغ الاستيقاظ لا أني كنت في صلاة، ولذلك قال: (لكني لُدِغت) . (قال: فما صنعتَ؟) قال له سعيد: (فما صنعتَ) فما الذي صنعت، ما هنا بمعنى الذي يعني: ما الذي فعلته لَمَّا لذعتَ، لأنه عنده شيء آخر عنده علم في ذلك، فقال: حصين (ارتقيتُ) يعني فعلتُ الرقية، ولفظ مسلم استرقيت، أي: طلبتُ من يرقَاني، أو طلبت من يرقِيني، أو طلبت الرقية، ثلاثة أوجه للشُّرَّاح، والمراد به أنه قد طلب الرقية، وإذا طلب الرقية، الرقية لا بد من فاعلٍ، حينئذٍ يكون قد طلب راقِيًا، إذًا ثم لفظان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت