وأما الكسبي فهو الذي يحتاج إلى المائتين وثلاث مئة ونحو ذلك، والغالب هو الثاني غالب الناس وخاصة المتأخرين في ما بعد زمن التابعين وقبل أن يكون العلم في الصحف صار الغالب هو الحفظ الكسبي، وليس بنقص في الإنسان أن يكون حفظه كسبيًا، ليس بنقص في الإنسان، نعم أكمل أن يكون، لكن ذلك هبة من الله تعالى. [ولكن حدثنا نعم] (قلت: حديث حدثناه الشعبي) ، (قال:) سعيد (وما حدثكم؟) استفهم عن هذا الحديث، إذا كان حديثًا فالأصل في إطلاقه أنه ما أضيف للنبي - صلى الله عليه وسلم - هذا هو الأصل من قولٍ أو فعل، (قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة) هذا هو المستند الذي اعتمد عليه الحصين في الرقية. بُرَيْدَة مُصغر بُرْدَة بن الْحُصَيْبِ بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين بن الحارث الأسلمي صحابي، شهيد مات سنة ثلاث وستين. قوله: (أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حُمَة) هكذا روي هنا موقوفًا لأنه عن بريدة. بريدة صحابي: (لا رقية) هذا ليس من قوله، إنما هو من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ نقول في هذا الموضع رُوِيَ موقوفًا، ورواه أحمد وابن ماجة عنه مرفوعًا يعني: إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا الموقوف هنا له حكم الرفع لأن هذه المسائل لا تقال من جهة الرأي، إنما هي لا بد أن يكون ثم وقفٌ، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران بن الحصين مرفوعًا. قال الهيثمي: رجال أحمد ثقاتٌ وأصله في الصحيحين. (لا رقية) لا هذه نافية للجنس 0 ورقية اسمها مبنيٌ معها على الفتح، أي: لا قراءة ولا استرقاء على مريضٍ ونحوه أنفع وأولى وأشفى وأفضل، حينئذٍ يكون الخبر محذوفًا، هذا هو الغالب في باب لا، يكون الاسم مذكورًا والخبر محذوفًا:
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر
إذا الباب يعني: باب لا النافية للجنس، والعين (لا رقية إلا من عين أو حُمَةٍ) ، (من عين) هي إصابة العائن غيره بعينه، والْحُمَى بضم الحاء وتخفيف الميم سُمّ العقرب وشبهها، أو السُّمّ مطلقًا، أو الإبرة، يعني: فسر بهذه الأقوال الثلاثة، وعلى كلٍ النتيجة واحدة. قال الْخَطَّابِيّ: ومعنى الحديث «لا رقية» . أشفى وأولى من رقية العين والحمة، وقد رَقَى ... النبي - صلى الله عليه وسلم - ورُقِي، «لا رقية» . يعني: موجودة أو صحيحة أو شرعية؟ رَقَى النبي - صلى الله عليه وسلم - ورُقِي؟ فدل على أن المراد هنا نفي الكمال وليس نفي الصحة أو التشريع، «لا رقية إلا من عين أو حمة» . ليس ثم رقية هل الحصر، أو السؤال: هل الحصر حقيقي أو حصرٌ إضافي؟ الثاني، إذا كان حصرًا إضافيًا لا بد من دليل نقول كون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد رَقَى غيره ورُقِي هو عليه الصلاة والسلام إذًا الرقية من حيث هي جائزة شرعًا، والنفي هنا حينئذٍ لا يكون نفي صحة الرقية أو شرعيتها، وإنما المراد به الكمال ولذلك قال الخطابي: ومعنى الحديث لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة، وقد رَقَى ... النبي - صلى الله عليه وسلم - ورُقِي، وسيأتي ما يتعلق بالرقية إن شاء الله تعالى. وثم باب خاص يأتي مفصلًا في أحكام الرقى، ومراد الخطاب هنا أن الحصر حصرٌ إضافيٌ لا حقيقي، حصرٌ إضافي يعني: نسبي باعتبار ماذا؟ باعتبار الكمال والشفاء، ليس من حيث ماذا؟ ليس من حيث المشروعية، لا رقية مشروعة أو لا رقية أكمل الثاني على الأول يكون ما عدا الرقية من العين أو الحمة غير مشروع فلا يجوز لوجود النفي هنا صريح، وليس المراد هذا، إنما المراد نفي الكمال. إذًا مراد الخطابي هنا أن الحصر حصرٌ إضافيٌ وليس حصرًا حقيقيًّا، فالعين كما سبق إصابة العين أو العائن غيره بعينه، إذا نظر إليه عدوًا كان العائن أو حاسدًا، أو غيرهما. حينئذٍ تتكيف بكيفيةٍ خاصة وتؤثر بإذن الله تعالى فيمرض بسببها المعيون، ولكن هذا يكون من قبيل الأسباب ليست التأثير هنا تأثير ذاتي وإنما هو سببٌ قد يحصل وقد لا يحصل، قد يترتب المسبب وقد لا يترتب.
ومن أسباب العين:
-أن يتعجب الشخص من الشيء يراه فتتبعه نفسه فيتضرر ذلك الشيء منه. يقال: عانه يعينه فهو عائن إذا أصابه بالعين. والحمة كما ذكرنا المراد بها سُمّ العقرب، أو السُّمّ مُطلقًا أو الإبْراة.