(قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع) . قال من؟ سعيد بن جبير لَمّا سمع الحجة والمستند لحصين أنه قد ارتقى أو استرقى وذكر دليله ومستنده حينئذٍ قال له مزكيًا له ومادحًا له (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع) قد للتحقيق، أي: من أخذ بما بلغه من العلم وعمل به فقد أحسن، بخلاف من يعمل بجهلٍ، أو لا يعمل بما يعلم، فإذا صح عنده الأثر الحديث فعمل به فقد أحسن، وحينئذٍ كونه لم يعلم بما سيحدثه عن ابن عباس لا يعتبر قدحًا فيه، لماذا؟ لأنه قد عَمِلَ بما بلغه، وهو لم يبلغه الحديث الآخر: «لا يسترقون» . حينئذٍ يكون محسنًا. ولو لم يعلم الخبر الآخر وذلك يدل على فقه السلف كما سيأتي في المسائل، بخلاف من يعمل بجهلٍ، أو لا يعمل بما يعمل فإنه مسيءٌ آثمٌ، وعليه حينئذٍ يكون أفعل التفضيل ليست على بابه، (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع) الذي لم ينته إلى ما سمع ليس محسنًا، حينئذٍ أحسن ليست على بابها، يعني: ليس عندنا مفضل، ومفضل عليه، {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ} [الفرقان: 24] ممن من أصحاب النار، أصحاب الجنة يقابل أصحاب النار، إذا قلت: أحسن وأخير، حينئذٍ ثَمَّ خير وحسن في أصحاب النار، وليس هذا بوارد، حينئذٍ يكون أحسن وأخير ليست على بابها، وهذا يقال فيه: بأنه جاء مفضلٌ فقط وما يقابله ليس فيه شيءٌ من ما دل عليه أفعل التفضيل. وهنا كذلك، قد أحسن الذي لم يعمل بما علم أو يعمل بجهلٍ ليس محسنًا، ليس عنده شيءٌ من الإحسان. إذًا أفعل التفضيل ليست على بابها. إذًا فحصين استند على حديث: ( «لا رقية إلا من عين أو حمة» ) . وفيه فضيلة علم السلف وحسن أدبهم وهديهم وتلطفهم في تبليغ العلم وإرشادهم مَنْ أَخَذَ بشيء إن كان مشروعًا إلى ما هو أفضل منه، يعني: سيبين له أن هذا الأثر أو هذا العمل الذي عملته مرجوح وليس عليه الجادة، فأرشده حينئذٍ إلى ما هو أفضل منه، وأن من عمل بما بلغه عن الله عن رسوله فقد أحسن. قال الشُّرَّاح: ولا يتوقف العمل به على معرفة كلام أهل المذاهب أو غيرهم. لا يتوقف العمل بالحديث على معرفة أقول المذاهب، وهذا أكثر الأصوليين على نفيه ن إنه لا بد أن ينظر فيما قيل في شرح هذا الحديث من أقوال، لأنه قد يستنبط قولًا ولم يكن عليه السلف، قد يَرِدَ الحديث عنده ويفهم منه فهمًا حينئذٍ إذا نظر في الصحابة لم يكن ثم قائل بهذا القول، وهذا فيه جناية من حيث خلو ذلك العصر عن قائل بالحق، وهذا محل إشكالٍ. إذًا هل يقال: بأن هذا النص استدلوا به على أنه لا يبحث عن قائلٍ بالقول الذي فهمه حصين أو غيره، قل: ليس الأمر كذلك. وإنما هذا كان في أوائل العلم قبل استقرار المذاهب وقبل معرفة أحوال الصحابة وأقوالهم ومستنداتهم، يعني: لم يكن علم إلا في الصدور فإذا كان كذلك ففيه نوع صعوبة من حيث الإلمام بما قد قيل في ذلك الزمن، وأما بعد ذلك فحينئذٍ يعين الوقوف على أقوال الصحابة ومعرفة فهمهم لنص، يعني ثَمّ شرطٌ في فهم النصوص بأن يكون بفهم الصحابة ولذلك أجمع الأصوليون على أنه لا يصح أن يحدث قولٌ ثالث لم يقل به الصحابة فيما إذا اختفوا على قولين، إذا اختلفوا على قولين لا يصح إحداث قولٍ ثالث البتة، وعلة هذا النفي أنه لا يصح النفي إذا جوزت لأن يكون ثم قولٌ لم يقل به أحد من الصحابة ولم يكن معروفًا في ذلك الزمن حينئذٍ خلا ذلك الزمن عن الحق وعن قائلٍ به، وهذا ممتنع. وعُلِمَ أن الحديث الأول لا يخالف الثاني كما سنذكره وهذا من عمق علمهم.
قوله: (ولكن حدثنا ابن عباس) هكذا قال: سعيد بن جبير (ولكن) هذا استدراك أو عطف لما سبق (حدثنا ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل» . وكان كذلك، بل صار آية في الفهم والعلم. مات بالطائف ستة ثمانٍ وستين.