قوله: (عن النبي - صلى الله عليه وسلم -) يكون مرفوعًا كالحديث السابق هو مرفوع، وهذا فيه تنصيص على الرفع، (أنه) أي: النبي - صلى الله عليه وسلم - (قال: «عرضت علي الأمم» ) العرض خلاف الطول هذا الأصل في لسان العرب، العرض خلاف الطول يقال: عَرَضَ الشيء بدا عرضه، وعرضت الشيء على البيع وعلى فلانٍ ولفلانٍ، نحو {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ} [البقرة: 31] ، {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا} [الكهف: 48] ، {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} [الأحزاب: 72] ، {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا} [الكهف:100] وعرض الشيء عرضًا وعروضًا ظهر وأَشْرَفَ، والشيء أظهره وعليه الشيء أراه إياه، إذًا عَرَضَ عليه الشيء أراه إياه، وهذا هو المراد هنا، ... ( «عرضت علي الأمم» ) يعني أراني الأمم، والعارض هنا مَنْ؟ لأنه قال: ( «عُرِضَتْ» ) الله عز وجل لأن هذا يُعبر من علم الغيب، فالعارض هو الله عز وجل، وأما كيفية العرض ونحو ذلك فهذا لا حديث لنا فيه لأنه من الأمور الغيبة التي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنها وقعت ولم يخبرنا كيف وقعت، فنؤمن بالأول ونفهم معناه، ونفوض الثاني، يعني: كيف عرض الرب جل وعلا هذه الأمم على النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قل: الله أعلم.
وفي رواية الترمذي والنسائي من رواية عبثر بن القاسم عن حصين بن عبد الرحمن أن ذلك كان ليلة الإسراء، يعني: العرض إنما كان ليلة الإسراء، ولفظه: لَمّا أُسْرِيَ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل يمر بالنبي ومعه الواحد. إذًا يكون متى؟ ليلة الإسراء، والإسراء وقع من مكة، وهذا الخبر حدث به النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، وثَمَّ خلاف: هل تَعَدَّدَ الإسراء بمكة والمدينة أو لا؟ فيه خلاف بين أهل العلم، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: فإن كان ذلك محفوظًا كانت فيه قوة لِمَنْ ذهب إلى تعدّد الإسراء وأنه وقع بالمدينة أيضًا غير الذي وقع بمكة. وهذا فيه نظر لأنه يحتمل له رآه في الإسراء، ثم حدث ببعضٍ وأَجَّلَ بعض، فيكون هذا الإخبار وهذا التحديد هما وقع له في الإسراء بمكة ولكن أخره وهذا لا مانع من ذلك، وهو أولى من القول بتعدّد الإسراء. قال في (( التيسير ) ): كذا قال وليس بظاهر، بل قد يكون رأى ذلك ليلة الإسراء ولم يحدث به إلا في المدينة. حينئذٍ إذا وقع الاحتمال بطل أو ضعف الاستدلال، وليس في الحديث ما يدل على أنه حدث به قريبًا من العرض عليه، هذا قول. وقال ابن القاسم في حاشيته: الله أعلم متى عرضت، نعم هذا هو التسليم، لأن هذه أمور غيبية، والقاعدة العامة في الأمور الغيبية اللفظ واضح بين ( «عرضت علي الأمم» ) عرفنا معناه لكن متى عرضت؟ إن جاء خبر فعلى العين والرأس، إن لم يرد خبر حينئذٍ نقول: الله أعلم. والله أعلم هذا علم هذا من العلم إذا لم تعلم الشيء وخاصة في باب الغيبيات تقول: الله أعلم. كما تجهل الحكم الشرعي ولو كان غيرك يعلمه تقول: الله أعلم.
وعرضها أن الله تعالى أراه مثالها إذا جاءت الأنبياء ومن تبعهم يوم القيامة، يعني: أراه الله عز وجل مثالًا لا تلك الأمم. وهذا كذلك يقال فيه: الله أعلم. حتى القول بأن الله تعالى أراه مثال هذا فيه نظر؛ لأنه تأويل لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( «عرضت علي الأمم» ) ظاهر اللفظ الأمم هي هي بعينها، والله قادر على أن يريه ويعرض عليه تلك الأمم فلا إشكال، أما أن نقول: عرض عليه مثالها. نقول: هذا فيه نظر، وإنما نقف مع اللفظ ( «عرضت علي الأمم» ) كما هو الحال، وما عد ذلك نقول: الله أعلم به، متى عرضت؟ وكيف عرضت؟ نقول: لا كلام لنا فيه البتة.
وقيل: هذا في المنام فيما يظهر. تقول: هذا باطل، كونه في المنام باطل؛ لأن الإسناد في الأصل يكون لشيءٍ خارجٍ هذا الأصل. ( «عرضت علي الأمم» ) في الظاهر في الخارج يُدْرَك بالبصر، كونه في المنام يحتاج إلى قرينة، يقول: رأيت رؤيا، أو عرضة علي في المنام، على العين والرأس، وأما أنه إذا لم يمكن الجمع، أو لم تدرك العقول قلنا: في المنام؟ نقول: هذا باطل.
والأمم جمع أمة قد مرَّ معناه فيما سبق وأل فيه للعموم لأنه جمع محلًّى بأل، الجمع والفرد المعرفان باللام، هذا من صيغ العموم.