( «عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط» ) والذي في صحيح مسلم الرهيط بالتصغير لا غير، والرَّهْط بالسكون ويفتح رهط رَهَط وهو الجماعة دون العشرة أي: من الثلاثة إلى التسعة.
و (فرأيت) الفاء هذه عاطفة، ورأيت بصرية على أصلها، يعني: رأى بعينه «رأيت النبي ومعه الرهط» . والرهط كما ذكرنا هذا اسم جمعٍ لا واحد له من لفظه ويجمع على أَرْهُط وأَرْهَاط. «والنبي ومعه الرجل والرجلان» . أي أو الرجلان «الرجل والرجلان» . الرجل أو الواو هنا بمعنى أو أي: والنبي ومعه الرجل والنبي الثاني ومعه الرجلان، لأن الواو هنا لو كانت على بابها لكن هذا فيه عي، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «رأيت النبي ومعه الرجل والرجلان» . لو قال: رأيت النبي ومعه ثلاثة، صحيح؟ لو كانت الواو على بابها للجمع لقال رأيت النبي ومعه الثلاثة، لكن ليس هذا كذلك، وإنما المراد باواو هنا: رأيت النبي ومعه الرجل، والنبي الآخر أو الثاني ومعه الرجلان، والواو هنا بمعنى أو أي: والنبي ومعه الرجل والنبي الثاني أو الآخر ومعه الرجلان، وهذا فيه تقليل؛ لأن الواو لو كانت على بابها لأغنى عن التركيب أن يقول: ومعه ثلاثة.
قوله: «والنبي وليس معه أحد» . أي يُبعث ولا يكون معه أحدٌ البتة، يعني: لا يتبعه أحدٌ البتة، هو نبي وقد بعث برسالةٍ بشرعٍ سواء كان جديدًا أو شرع من سبق على الخلاف ولكنه لم يتبع وليس هذا يعتبر نقصًا فيه وإنما أدَّى ما عليها على وجه الكمال.
وفيه: أن الأنبياء متفاوتون في عدد أتباعهم، وأن بعضهم لا يتبعهم أحد، وفيه الرد على من احتج بالكثرة، رجل واحد معه، والنبي معه رجلان، والنبي ليس معه أحد، هم أنبياء كيف بالدعاة؟ إذًا الكثرة ليست بدليل على صحة المذهب أو الحق، يعني: ليس معه حق إذا قيل معه أمة، قل: الأمة هذه ليس بدليلٍ على الأحقيقة لأنه قد يوجد معه قليل أو لا يوجد معه أحد وهو على الحق، ولذلك قال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] ، {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ} [الأنعام: 116] ، إذًا الكثرة ليست بالميزان الذي توزن به المذاهب والأقوال والأشخاص كذلك، لا يقال: فلانٌ على حق لكون الذين يتبعونه كُثُر.
( «إذ رفع لي سواد» ) ، ( «والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننتُ أنهم أمتي» ) . إذ هذا متعلق بمحذوف، أي: بينما أنا كذلك إذ رفع لي، والسواد في الأصل اللون المضاد للبياض، يقال: اسود واسواد، ويعبر به أي: بالسواد عن الشخص المرئي من بعيدٍ، ويُعبر به عن الجماعة الكثيرة، نحو قولهم: عليكم بالسواد الأعظم. يعني السواد الكثير، فالمراد هنا الأشخاص. ( «إذ رفع لي سواد عظيم» ) . يعني: أشخاص. ( «عظيم» ) . فعيل مأخوذ في الأصل من العظم، ومعروف العظم، العظم هو العظم جمعه عِظَام، وعَظُمَ الشيء أصله كَبُرَ عَظْمُه ثم استعير لكل كبير كقوله: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ} [ص: 67] ، {عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} [النبأ: 2] والعظيم إذا استعمل في الأعيان فأصله أن يقال في الأجزاء المتصلة، والكثير يقال في المنفصلة.
( «إذ رفع لي سواد عظيم» ) . إذًا فيه تعظيم لهذا السواد، وأن هذه الأشخاص متعددة كثيرة جدًا، فالمراد هنا أي: رفع لي أشخاص كثيرةٌ جدًا من بُعْدٍ لا أدري من هم.
( «فظننت أنهم أمتي» ) . فظننتُ ظنّ على بابها وهي إدراك الشيء إدراكًا راجحًا، وفيه جواز الإخبار عن الظن بقرينه، لَمَّا رأى السواد العظيم وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أمته كُثُر حينئذٍ أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما وقع في حدْسِهِ وظَنِّهِ، ودل ذلك على أن الإخبار عن الظن إذا وجدتْ قرينة سائغ ولا بأس به، وليس هو من التخرص، وإنما الظن الذي لا يكون معه قرينة هذا الذي يُعتبر مذمومًا.
( «فظننت أنهم أمتي» ) . لأن الأنبياء عُرضوا عليه بأممهم، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرف أن أمته كثيرةٌ جدًا، وظن على بابها كما ذكرنا لأن الأشخاص التي تُرى في الأفق لا يدرك منها إلا الصورة عن بُعد يعني كأنه يتخيل الأشخاص فقط، يعني الكثرة من غير تميز لأعيانهم حينئذٍ لا يعارض هذا الأثر، ... ( «ظننت أنهم أمتي» ) . وليسوا كذلك ما عرفهم ( «فظننت أنهم أمتي» ) .