فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 2014

( «ومعهم سبعون ألفًا» ) إذًا المعية هنا على ظاهرها خلافًا لقول الحافظ المراد بالمعية المعنوية، فإن السبعين ألف المذكورين من جملة أمته لكن لم يكون في الذين عُرضوا إذ ذاك. وهذا ليس بصحيح لأن ظاهر النص أنهم في ضمن من عرض على النبي - صلى الله عليه وسلم -، والفصل هذا ليس بجيد، فأريد زيادة في تفسير أمته لإضافة السبعين ألفًا إليهم قال في (( التيسير ) ): وما قاله ليس بظاهر [نعم ليس بظاهر] لأن المعية على ظاهرها، هذا الأصل فيها، تفيد المصاحبة والمقارنة، وجعلها معنوية يحتاج إلى قرينة. نعم يمكن أن تكون معنوية لكن يحتاج إلى قرينة، وليس ثَمَّ قرينة صارفة لذلك لأنه يعتبر تأويل، والتأويل نوعان: (تأويل صحيح، وتأويلٌ فاسد) . إن كان بقرينة بدليلٍ صحيح حينئذٍ صار التأويل صحيحًا، وإن لم يكن فهو فاسدٌ، قد يكون لعبًا.

وفيه أن كلًا تحشر مع نبيها كما سيأتي في مسائل الباب (ثم نهض) يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - أي قام من مجلسه الذي حدثهم فيه بهذا الحديث، يقال: نهض نهوض قام يقظًا نشيطًا (فدخل منزله) أي داره، فالمنزل هو الدار (فخاض الناس في أولئك) ، (فخاض الناس) ، (الناس) كل الناس أو الحاضرون. الحاضرون فيكون من باب إطلاق العام الذي أريد به الخصوص، {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ} [آل عمران: 173] هذا منهم.

إذًا (فخاض الناس في أولئك) نقول: جملة الحاضرين. وخاض أي تكلموا وتناظروا. خاض القوم في الحديث تَفَاوَضُوا فيه، أي تباحث الحاضرون واختلفوا في شأن السبعين ألفًا، بأي عملٍ نالوا هذه الدرجة. وفي لفظٍ: فتذاكر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. إذًا المباحثة هنا في ماذا؟ في العدد أو في العمل؟ في العمل، ليس في العدد، لأنه ما يعنيهم، كانوا سبعين أو زيادة، أو مع كل واحد سبعين إذا لم يعمل ما فاده شيء، إذا وصل لنتيجة، وإنما المراد أن يعمل بما استحق هؤلاء هذا الثواب العظيم من العمل.

وفيه إباحة المناظرة والمباحثة في معاني نصوص الشرعِ على وجه الاستفادة قال الشراح: ولو بغير علم. وهذا فيه نظر، ولو بغير علمٍ يعني: ولم تكن معه آلة؟ تقول: لا، ليس الأمر كذلك، إنما الصحابة يدركون معاني الألفاظ، وهم يعلمون بحال النبي - صلى الله عليه وسلم -، حينئذٍ معهم الأهلية التي من أجلها خاضوا في مثل هذه المسألة، أرادوا أن يستنبطوا عندهم نص وعندهم نصوص أخرى، عندهم معرفة بحال النبي - صلى الله عليه وسلم -، عندهم علم بلسان العرب، وعندهم فهم ثاقب وإدراك وتقوى وصلاح، إذًا وُجِدَت الأسباب، أما جواز المناظرة ولو بدون علم هكذا نقول: هذا فيه نظر.

وجواز الاجتهاد في ما لم يكن فيه دليل لكن لا يجزم بصواب نفسه [نعم] . لأنهم يستطيعون أن يقفوا وينتظروا حتى يُبين لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام مشرع، فلما استنبطوا أو حاول أن يستنبط من هم هؤلاء دل على جواز الاجتهاد مع إمكان الوصول إلى الدليل، وفي المسائل وفيه عمق علم السلف لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل، وفيه حرصهم على الخير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت