إذًا (فخاض الناس في أولئك) يعني: تداولوا وتباحثوا في أحوال وأعمال هؤلاء السبعين، والمراد هنا بالعمل لا في العدد. (فقال بعضهم) يعني: بعض الحاضرين (فلعلهم الذين صحبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) هذا استنباط، (فلعلهم الذين) لعلهم، لعل هذا للترجي، حينئذٍ إذا أراد أن يجتهد لا يجزم، يقول: لعل القول كذا، ولعل الذي تدل عليه النصوص كذا، أما الجزم والقطع دون ثَمَّ ما يعتمد عليه يكون دليلًا قاطعًا هذا فيه جرأة، (فلعلهم) ترجي وليس فيه جزم (الذين صحبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) فإنهم أفضل الخلق بعد الرسل، وظاهر اللفظ أن المراد مطلق الصحبة، كل الصحابة يعني: المهاجرين وغيرهم، ويحتمل أن المراد الصحبة المطلقة يعني: الذين صحبوه في هجرته، إما الأنصار ما صحبوه في الهجرة، ليس بمهاجرين، إذ الخائضون من الصحابة أيضًا وإلا لقالوا نحن المراد نحن، وهم من الأنصار هذا الظاهر، حينئذٍ قال: لعلهم الذين صحبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصحبة المطلقة يعني: المهاجرين لأنهم من الصحابة، ويمنع منه أن المهاجرين لا يبلغوا سبعين ألفًا، ويمنع الأول مطلق الصحبة أن الصحابة أكثر من سبعين ألفًا، وبجاب بأنه ورد أن مع كل واحدٍ سبعين ألفًا، كذلك كما سبق، ولا نحتاج إلى هذا كله لأن المراد هنا الترجي قال: لعل فليس بجزمٍ، يعني: يحتمل هذا ويحتمل غيره.
(وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا) أي لهم مزيةٌ على من وُلد في الجاهلية وهو كذلك، وقد يكون من أدركته الجاهلية أفضل لحديث: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُُهُوا» . ضم القاف فقولهم: أي من ولد في الإسلام أي: بعد البعثة وأسلم وهؤلاء كُثُر وليس خاصًا بالصحابة، إذًا السبعون ألفًا ليس خاص بالصحابة وهذا حكم عام وهو كذلك ليس خاصًا بالصحابة، فقد يكون منهم من في آخر الزمن وليس خاصًا بالصحابة الذين ولد في الإسلام إذ لا يبلغون سبعين ألفًا، (وذكروا أشياء) يعني: أخر أي غير هاتين الخصلتين، وفي رواية قالوا: أما نحن فولدنا في الشرك ولكن آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا. هذا وجهٌ ثالث أن المراد به أبناء الصحابة ليس بالصحابة. على كلٍّ المراد هنا النظر في أوصافٍ وأعمال ليس في أشخاص، إنما المراد به أوصاف ولذلك لما أجابهم النبي قال: ( «لا يسترقون ولا يكتوون» ) ما عين لهم الأشخاص، لم يقل هؤلاء بعضهم من الصحابة عددهم كذا والتابعين إلى آخره، لأن هذا لا ينبني عليه حكم شرعي، أنما المراد هو العمل الذي هو تحقيق التوحيد.
(فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه فأخبروه) يعني: بما تحاوروا فيه من أمر هؤلاء السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذاب.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مجيبًا لهم ( «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» ) فذكر لهم ثلاثة أوصاف وإن شئت قل أربعة والخلاف في الرابع ( «وعلى ربهم يتوكلون» ) هل هي صفة مستقلة أم أنها تعليل للصفات الثلاثة بمعنى أنه هل يقال ( «لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون» لكمال توكلهم على الله فتكون الرابعة ذكرت تعليلًا أو أنها( «وعلى ربهم يتوكلون» ) هذه صفة مستقلة رابعة فيدخل فيها ما سبق من الصفات الثلاث ضمنًا ولم تذكر الجملة تعليلًا لما سبق، إن كان المؤدى واحدًا. ( «هم الذين لا يسترقون» ) هكذا ثبت في الصحيحين وهو كذلك في حديث ابن مسعود في مسند أحمد وفي رواية لمسلم: «لا يرقون» . لا يرقون لا يسترقون لا يرقون، ثَمَّ فرق بينهما أو لا؟ ثَمَّ فرق وهو، يسترقون يعني السين هنا للطلب لا يطلبون الرقية، ويرقون لا يرقون في نفي للرقية نفسها، وقع إشكال هنا النبي - صلى الله عليه وسلم - رَقَى ورُقِيَ، أليس كذلك؟ فكيف: «لا يرقون» . ثم قال ( «وعلى ربهم يتوكلون» ) إذًا تحقيقًا للتوكل من لا يَرْقِي نفسه ولا يرقي غيره ولا يَرْقَى مطلقًا.