وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: «الشفاء في ثلاث» . فوصف الكي بكونه فيه شفاء. وهذا يدل على ماذا؟ على الجواز «شربة عسل، وشرطة محجن، وكيّة نار» . ثم قال: «وأنا أنهى عن الكي» . والأصل في النهي للتحريم ووجد قرينة هنا صارفة إلى الكراهة وهي فعله وكونه قد أقرّ أنسًا أنه كُوِيَ. فدل ذلك على أن النهي هنا للكراهة لا للتحريم.
وفي لفظٍ: «ما أحب أن أَكْتَوِي» . قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قد تضمن أحاديث الكي أربعة أنواع - كل ما ورد لا يخرج عن أربعة أنواع:
-أحدها فعله. فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - كوى.
-والثاني: عدم محبته. «وما أحب أن أكتوي» .
-والثالث: الثناء على من تركه. في الحديث الذي معنا ( «لا يسترقون ولا يكتوون» ) .
-والرابع: النهي عنه. «وأنا أنهى عن الْكَيّ» .
ولا تعارض بينها بحمد الله تعالى فإن فعله له يدل على جوازه، النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يفعل شيئًا إلا هو جائز، وعدم محبته لا يدل على منع منه. ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأكل الضبّ، وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل، فهي درجة الكمال، وأما النهي فعلى سبيل الاختيار والكراهة.
إذًا كل ما ورد في الأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكيّ من كونه فعله، أو أنه لم يحبه، أو أنه نهى أمته حينئذٍ تحمل على هذه الوجوه الثلاثة، فالكي الأصل فيه الكراهة هو جائزٌ مع الكراهة، حينئذٍ اختلف عن الرقية. الرقية الأصل فيها الجواز، والكراهة في ماذا؟ إذا ضعفنا «لا يرقون» . قلنا: هذه شاذة. حينئذٍ صارت الكراهة منحصرة في نوعٍ واحد وهو طلب الرقية، أما لو رَقَى نفسه أو رُقِيَ حينئذٍ هذا سبب وجائزٌ بلا كراهة، وأما الكي مطلقًا سواءٌ كَوَى نفسه أو كواه غيره دون طلبٍ، أو طلب الاكتواء، وهذا يعتبر ماذا؟ يعتبر مكروهًا، إذًا فرق بين النوعين. إذًا فخلاصة الوجه الأول في قوله: ( «ولا يكتوون» ) . هو ترك طلب الكي كما يتركون طلب الرقية فلا يسترقون أي لا يطلبون من أحدٍ أن يرقيهم، ( «ولا يكتوون» ) . أي لا يطلبون من يكويهم توكلًا على الله للعلة التي ذكرت في النص وعزة نفسٍ لأن لا تتعلق قلوبهن بغير الله تعالى، ولا يتذللون لغير الله، فلا يطلبون ذلك وإنما يفعل ذلك بنفسه، أي: يرقَى نفسه ويكوي نفسه، أو يرقيه غيره أو يكويه غيره دون طلبٍ منه، وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم، أن قوله: ( «ولا يكتوون» ) كقوله: لا يسترقون، بمعنى أن الكراهة هنا في ماذا؟ في الطلب، وأما إذا لم يطلب فليس خارجًا له عن السبعين.